وكثيرا ما يند عديد من المفكرين عن التصنيف مثل الغزالي، فهو ليس متكلما فقط ولا أصوليا فقط ولا منطقيا فقط ولا فيلسوفا فقط ولا صوفيا فقط، بل هو كل ذلك في نفس الوقت، وكأن وحدة الحضارة وعلومها تظهر من خلال وحدة الفكر وثقافته، وكذلك ابن تيمية، فهو ليس أصوليا فقط أو فقيها فقط أو منطقيا فقط أو متكلما فقط أو فيلسوفا فقط بل هو كل ذلك في آن واحد،
20
وكذلك ابن سينا، هل هو فيلسوف أم متصوف أم طبيب؟ وابن رشد، هل هو فيلسوف أم متكلم أم فقيه أم طبيب؟ وابن حزم، هل هو متكلم أم فقيه أم منطقي أم عالم نفس؟ وحدة الحضارة ممكنة إذن من خلال وحدة المؤلف.
وتوحيد العلوم أمر ممكن، فالتراث والتجديد مع أنه دراسة في الفكر إلا أنه يقوم على منهج فقهي بمعنى أنه يطبق على الفكر القياس الفقهي، ويعتمد على الاجتهاد في الفكر، فكل ما يتفق مع الصالح العام في التراث القديم يبقى ويثبت، وكل ما يخالف الصالح العام يرفض وينقد، فالصالح العام هو الأصل وأحد مصادر الشرع، بل إن الشرع ذاته قائم على أساس المحافظة على المصلحة التي سماها الأصوليون الضروريات الخمس: الدين، والحياة، والعقل، والعرض، والمال، «التراث والتجديد» دراسة فقهية يقوم بها فقيه في الحضارة الإسلامية ككل وليس في الفقه وحده، وقد كان هذا سلوك الفقهاء من قبل عندما كانوا يفتون في الفقه، ويضعون قواعد الأصول ثم يطبقون القياس الشرعي في الأفكار المتداولة في بيئتهم الثقافية في الكلام أو الفلسفة أو التصوف، وبهذا المعنى كان الفقهاء حراس المدينة، وكانوا هم الحريصون على أصالة القديم وجدته المستمرة، فتوحيد العلوم إذن قائم لحساب الفقه والأصول أي لحساب المصلحة العامة التي هي في نفس الوقت مقياس التراث، وأساس الوحي، ومطلب العصر.
وتوحيد العلوم أمر ممكن وذلك بأخذ كل ما أعطته العلوم التقليدية وما لبى مطالب العصر، فتأكيد الحرية في علم التوحيد، والعقل، والعمل، والشورى، كلها أفكار تعبر عن أهم ما أعطى علم التوحيد القديم وما يلبي نداءات العصر، وتشوقه نحو التحرر والعقلانية، والعمل، وحكم الشعب لنفسه، وتأكيد العقل وإمكانياته التي لا حدود لها في التفسير والفهم وهو أهم ما أعطته الفلسفة وهو في نفس الوقت تلبية لاحتياج العصر إلى عقلانية وتنظير، وتأكيد رسالة الإنسان في الحياة وإحساسه بالدعوة والغاية، وعمله لتحقيقها، ووهب حياته كلها لذلك، وهو أهم ما أعطاه التصوف، هو أيضا تأكيد لمطلب العصر، وتحقيق لإحساسنا بالرسالة، وقضاء على الترهل والانسياب والخواء السائد في العصر، توحيد العلوم إذن أمر ممكن بناء على ما أعطته هذه العلوم في التراث وبناء على احتياجات العصر.
وإذا كان التراث القديم قد أعطانا علوما عقلية أو علوما دينية أو علوما شرعية أو علوما نقلية أو علوما شرعية عقلية أو دينية عقلية إلى آخر هذه التسميات التي توحي بأن العلم بمعناه القديم كان مجرد إعمال للعقل في النص الديني، فإن العصر الحاضر هو عصر العلوم الإنسانية، وبالتالي تكون مهمة «التراث والتجديد» هو تحويل العلوم العقلية القديمة إلى علوم إنسانية، وأن يصبح الكلام والفلسفة والتصوف والأصول، كل منها علما إنسانيا، قد يسهل ذلك في أحدها، ويصعب في الآخر، ويتحدد ذلك بدرجة قرب العلم التقليدي أو بعده هو ذاته عن العلم الإنساني، فمثلا من السهل تحويل علم أصول الفقه إلى مناهج بحث، والفقه إلى علم اقتصاد وتشريع وسياسة، والتصوف إلى علم نفس وأخلاق، وعلم الحديث إلى علم نقد تاريخي، ولكن يصعب الأمر قليلا إذا أتينا إلى الكلام والفلسفة، هل يمكن تحويل «الثيولوجيا» إلى «أنثروبولوجيا»
21
ولكن الأنثروبولوجيا المعاصرة هي دراسة لنشأة الإنسان وليس لماهية الإنسان، كما أنها دراسة للبدن وللتطورات التي طرأت على الهيكل العظمي عبر التاريخ، وليس دراسة للفكر أو الحضارة إلا في الأنثروبولوجيا الحضارية، ولكن كثيرا من مشاكل علم الكلام يوجد حلها في العلوم الأخرى، فالإمامة تدخل في العلوم السياسية، والعقل والنقل يدخلان في نظرية المعرفة ومناهج البحث لأنها مشكلة منهجية، وخلق الأفعال يدخل في علم النفس، والتوحيد في علم النفس الاجتماعي، والفلسفة أيضا يمكن تحويلها إلى علم إنساني، وذلك بوصف وضع الإنسان في العالم، وتحليل الخبرات الشعورية عند الإنسان وإدراك معانيها يمكن أن يدخل المنطق في الفلسفة القديمة كجزء من مناهج البحث، والطبيعيات كجزء من علم الطبيعة، وترد الإلهيات إلى علم النفس الاجتماعي أو إلى علم اجتماع المعرفة.