تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتصاحب هذه العمليات الطبيعية بعض الظواهر الإيجابية والسلبية، فعندما يتحول النص الديني إلى فكرة، والوحي إلى حضارة، تظهر العلوم الدينية العقلية كأبنية نظرية تقوم على فهم نظري للوحي ابتداء من تفسير عقلي للنص، فبناء العلوم التقليدية يرجع في تقييمه إلى مصدر نشأته وهو النص الديني، الظاهرة الإيجابية هي الظاهرة الفكرية التي تصدر من النص الديني بعد فهمه أو تفسيره ثم تعود إليه دون أن يكون لها بقايا يرجع أصلها إلى التاريخ أو إلى بيئة ثقافية أخرى باستثناء الألفاظ والمصطلحات، وبتعبير آخر، الظاهرة الإيجابية هو النص الديني نفسه بعد امتداده في صورة فكر، ويمكن لهذا الامتداد أن يرجع إلى أصله لو غاب سبب التوتر والشد، فمثلا في عالم أصول الفقه ومن قبل في علم الحديث، تحول الحديث إلى منطق تاريخي للنقل، التواتر والآحاد للسند، والنقل بالمعنى والوضع بالمعنى للمتن، كما تحول النص القرآني إلى منطق علة قائم على تعدية حكم الأصل، وهو حكم النص في الواقعية المثالية، إلى الفرع، وهو الواقعة الجديدة لاتحادهما في العلة، كما تحول النص الديني بوجه عام إلى منطق للفعل بعد ظهوره على مستويات خمسة للسلوك، وهي أحكام التكليف، وفي علم أصول الدين تحول النص أيضا إلى معنى أو إلى موضوع نظري مثل النظر والعمل، العقل والنقل، الحرية والاختيار، الذات والصفات ... إلخ، وفي الفلسفة تحول النص الديني إلى نظرة شاملة إلى الكون، وإلى تصور فلسفي عام، وإلى وضع الإنسان بين عالمين، الفكر والواقع، وهي قسمة الفلسفة إلى منطق، وطبيعيات، وإلهيات، وفي التصوف تحول النص الديني إلى بناء وتطور للشعور، وإلى علم وصف للمعطيات الشعورية، فالظواهر الإيجابية هي التي تكون البناء النظري للعلم وهي التي يجب البحث عنها واستقصاؤها وذلك بالرجوع الدائم إلى النص الديني ثم بالخروج منه، فالظاهرة الفكرية هي هذا الشد والإرخاء من النص الديني وإليه.

أما الظواهر السلبية فهي الظواهر التي لا أصل لها في النصوص الدينية والتي لا يمكن أن ترجع إليها، وبتعبير آخر هي الظواهر المتبقية والتي يرجع أصلها إما إلى التاريخ أو إلى أصول أخرى والتي لا يمكن إرجاعها إلى النص الديني، وتحدث هذه الظواهر السلبية عندما تفقد الظاهرة الفكرية تكامل عناصرها أو نتيجة لعمل الفكر نفسه، فإذا كان تحول النص الديني إلى معنى عقلي ظاهرة إيجابية لحياة حضارية ناشئة فإن ترسب هذا المعنى وسكونه في حضارة ما ظاهرة سلبية لحياة منتهية، ففي علم أصول الفقه تحول النص إلى حكم عن طريق منطق استقرائي ذي طابع عقلي صارم، متشبع بقسمة عقلية تتشعب إلى قسمة عقلية أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية، فظاهرة التشعب الفكري ظاهرة سلبية وذلك لأن النص لم يعد معنى حدسيا عن طريق الفهم، وفي علم أصول الدين تحول المعنى المستخرج من النص إلى حجة عقلية، تنقسم إلى حجج ثانية، وهذه إلى ثالثة إلى ما لا نهاية، فظاهرة الاستدلال المستمرة ظاهرة سلبية لأن المعنى لم يعد مستخرجا من النص بالفهم الحدسي المباشر، صحيح أن التنظير ظاهرة إيجابية، ولكن تشعب التنظير وصوريته ظاهرة سلبية، وفي التصوف تحول معنى النص إلى وجدان على وجدان حتى انتهى إلى تحليلات لا تنتهي للشعور الإنساني في أدق جوانبه في حين أن النص الديني شعور ولكنه شعور يتجه نحو الفعل، وتشخيص العواطف والانفعالات وتجسيمها وتجسيدها ظاهرة سلبية كذلك لأن المعنى الشعوري يظل معنى ولا يتشخص إلا من عاجز عن تحقيق هذا المعنى كبناء مثالي للعالم، والرجوع إلى الداخل أو الصعود إلى أعلى ظاهرة سلبية ثالثة لأن معنى الوحي وإن كان يبدأ من الشعور الداخلي إلا أنه يتوجه نحو الخارج كي يتحقق كبناء اجتماعي، وهدفه هو تحقيق ذلك إلى الأمام وليس إلى أعلى، وقد يكون التصوف هو أكثر العلوم احتواء على الظواهر السلبية، وأخيرا في الفلسفة تحول النص إلى تصور للعالم محدد بالزمان والمكان، والنص الديني لا يساوي هذا التصور فإنه أقل حكما على العالم، وأكثر شمولا لجوانب أخرى، معنى السلب إذن هي المغالاة في الطابع العام للنمط الفكري، وهي نتيجة للفكر نفسه، فلا توجد حضارة تقدم ظواهر إيجابية دون أن تقدم معها ظواهر سلبية، وهذا هو معنى تحول الوحي إلى حضارة.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٨٢