ظهور التضاد أيضا بين الأصول والتصوف، فمع أن كليهما منهج إلا أن التصوف يدعي أنه منهج التأويل أي الرجوع بالنص إلى مصدره الأول وهو مصدر الوحي، في حين أن الأصول منهج التنزيل يريد إرسال النص إلى غايته وهو الواقع أو السلوك البشري، ومن ثم كان المنهج الصوفي صاعدا من العالم إلى الله في حين كان المنهج الأصولي نازلا من الله إلى العالم، وما زال عصرنا يختار التأويل دون التنزيل، ما زال يرجع العالم إلى الله دون أن يجعل الله قريبا من العالم في حين أن متطلبات العصر تحتم الاختيار الآخر بإيثار التنزيل على التأويل، والانتقال من الوحي إلى العالم. (د)
وضوح نظرية متكاملة في التفسير، تشترك مع الفلسفة في إيجاد مستويات جديدة للنص حسب فهم السامع أو القارئ، فهناك العامة التي لا تدرك إلا بالحس والخيال، ويقوم إيمانها على الترغيب والترهيب، ثم هناك الخاصة التي تدرك جوهر الأشياء بالعقل الاستنباطي ويقوم إيمانها على الحصول على المعقولات والمعارف الذهنية، ثم هناك خاصة الخاصة التي تدرك جوهر الأمور بالقلب ويقوم إيمانها على الحصول على السعادة القلبية والمعرفة المباشرة وهي مستويات ثلاثة لليقين: علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين، وقد رجعنا نحن خطوة للوراء بوقوعنا في حرفية التفسير أو ماديته وردنا الوقائع المادية إلى النصوص أو بلجوئنا إلى التفسيرات الخرافية والأسطورية التي لا سند لها من حس أو عقل أو قلب ونحن أحوج إلى التفسيرات الوجدانية الاجتماعية التي تقوم على تحليل التجارب الاجتماعية.
10 (ه)
ظهور كثير من القيم السلبية التي تدعو إلى القيام بمعركة مع النفس قبل أن تقام مع العالم الخارجي والتي تدعو إلى النكوص عن العالم والتراجع إلى الذات لا إلى الدخول في العالم والإقدام من الذات، فالصبر والخوف، والخضوع والرضا، والحزن والبكاء إلى آخر ما هو معروف من الأحوال والمقامات تدل كلها على اتجاهات سلبية نحو الواقع وهي القيم التي ما زالت تفعل في عصرنا الحاضر دون ما رد فعل لتغييرها إلى قيم إيجابية مثل العمل، والثورة، والجهاد، والمقاومة، والرفض، والنضال، والصراع. (و)
الحصول على معنى جديد للتوحيد، واعتباره عملية فردية هو الحلول أو الاتحاد أو عملية كونية ذاتية وهي وحدة الشهود أو عملية كونية موضوعية هي وحدة الوجود، وتصور العالم كله بعين الوحدة فلا فرق ولا جمع، فإذا كان الكلام والفلسفة والأصول كل ذلك يقوم على القسمة العقلية فإن التصوف يقوم على التوحيد بين المتمايزات، وقد آثر عصرنا الحالي توحيد المتكلمين وترك توحيد الصوفية مع أنه كان بإمكانه تطوير توحيد الصوفية إلى عملية اجتماعية تاريخية توحد فيها الشعوب والأجناس وتتوحد فيها الطبقات الاجتماعية، وتتوحد فيها قوى الإنسان من فكر، ووجدان وقول، وعمل، وبالتالي يعبر التوحيد عن متطلبات العصر،
11
وتبدو صلة العلوم التقليدية الأربعة بعضها بالبعض الآخر كالآتي:
12 (1)
الكتاب والسنة محور الحضارة ومركزها ومنشأ العلوم العقلية الأربعة. (2)
علم أصول الدين، أي علم الكلام كدائرة أولى حول المركز للتأسيس الداخلي. (3)
علوم الحكمة أو الفلسفة كدائرة ثانية حول المركز أوسع وأشمل للتأسيس الخارجي. (4)
علم أصول الفقه أو التنزيل كمنهج نازل من الوحي إلى العالم. (5)
علوم التصوف أو التأويل كمنهج صاعد من العالم إلى الله.
أما العلوم الرياضية فهي لا تعتبر علوما دينية عقلية بل هي علوم عقلية خالصة؛ إذ إنها تخضع لنظرية في العقل الخالص ولو أننا نستطيع أن نجد بواعثها وموجهاتها في توجيهات الوحي، وفي تصورات الله خاصة في التنزيه؛ فنظريات الضوء عند ابن الهيثم مثلا ترتبط إلى حد ما بتصوره العام للنور، وتعريف الله من حيث هو نور، وتصور الرياضيين للأعداد وحساب اللامتناهي يرتبط أيضا بتصورهم للتوحيد وبوجه خاص للواحد. فالعلوم الرياضية تمثل عقلانية خالصة استطاعت أن تزدهر بفضل التنزيه، وتضع مشكلة مستقلة عن العلوم الدينية العقلية الأربعة التي خرجت من الكتاب والسنة والتي ترتبط بالإنسان، حياته وسعادته، وهي تمثل التيار الصوري الذي تمثله العلوم الرياضية في التراث الغربي. وإعادة بناء هذه العلوم لا يتم إلا عن طريق التكامل في النظرة لها، إذ لا يمكن بتر جانب يراد التركيز عليه، وإعطاء الأولوية له على حساب جانب آخر يراد نسيانه وتجاهله بل والتنكر له والقضاء عليه، فلا يمكن النظر لابن الهيثم باعتباره رياضيا فقط ومحاولة تفسير أعماله بأنها علمية أو موضوعية؛ إذ إن تحليلاته للمناظر جزء من موقف فكري عام تدخل فيه الرياضة وغيرها كأحد مكوناته، ولا يمكن اعتبار الخوارزمي رياضيا فقط بل تدخل تحليلاته في علم الجبر كجزء من موقف أعم وأشمل، يكون الجبر فيه أحد عناصره التكوينية، ولا يمكن اعتبار الكاشاني عالما رياضيا فقط، بل إن تحليلاته في علم الحساب جزء من موقف أعم وأشمل يكون الحساب أحد عناصره الأولية، والمطلوب منا ليس فقط إحياء التراث الرياضي بل محاولة إدخاله ضمن هذا الموقف الحضاري العام من الكشف عنه، ويكون السؤال: هل تعبر هذه العلوم عن مستوى صوري خالص للتحليل تجد العلوم الدينية العقلية فيها ذاتها وموضوعيتها العقلية وهو ما نشعر بإمكانه؟ وبتعبير آخر: هل يمكن رد الصوري إلى الإنساني أم الإنساني إلى الصوري؟ وبتعبير ثالث: هل يمكن رد التنزيه إلى التشبيه أم رد التشبيه إلى التنزيه؟ وبتعبير آخر: هل يفهم الله بالرجوع إلى الإنسان أم يفهم الإنسان بالرجوع إلى الله؟ وماذا يعني التوحيد إلا أننا أمام حقيقة واحدة تظهر على مستويات عدة، مستوى صوري مجرد، ومستوى آخر إنساني حي؟