والعلوم الطبيعية أيضا كالعلوم الرياضية لم تخرج مباشرة من الكتاب والسنة ولم تنم نموا علميا خالصا، ولو أننا نستطيع أن نجد بعض البواعث عليها مستمدة من نواة الحضارة مثل التجريب والدعوة إلى التأمل في الطبيعة، والتوجيه نحو اكتشاف العام، فهذه العلوم أيضا جزء من موقف حضاري عام، فلا يمكن مثلا رؤية جابر بن حيان باعتباره كيمائيا فقط، إذ إن موقفه كعالم كيمياء ما هو إلا جزء من موقف أعم وهي موقفه كمفكر مسلم حتى في الميادين التي تبدو لأول وهلة بعيدة كل البعد عن الأصول الأولى في الوحي، كالرياضيات والطبيعيات، خاصة إذا فهم الوحي نظريا باعتباره بناء فكريا موضوعيا مكونا من القبلي وهو الشرعي، والعقلي، والواقعي، وهو ما يظهر في اللغة كنظرية للمعاني الثلاث للفظ: الشرعي أو الاصطلاحي، واللغوي أو الاشتقاقي، والعرفي أو الشائع. وما يظهر في بعض جوانب التفكير الإسلامي من اتفاق صحيح المنقول مع صريح المعقول، أو كوحدة النقل والعقل، أو وحدة ما في الأذهان وما في الأعيان، فإذا كانت الرياضة قائمة على اتساق العقل فهي إذن تخرج من العقل الموجود في الوحي، وإذا كان العلم قائما على اتساق الواقع فهو يخرج إذن من الواقعي الموجود في الوحي. وإذا كانت العلوم الدينية العقلية كالكلام والفلسفة والأصول والتصوف قائمة على الشرعي فهي تخرج من القبلي أو الشرعي المعطى في الوحي، ويكون المطلوب ليس دراسة العلوم الطبيعية منفصلة عن العلوم العقلية الأربعة بل إدخالها ضمن موقف عام، ويكون السؤال: هل العلوم الطبيعية يمكن ردها إلى العلوم العقلية الأربعة أم أن العلوم العقلية الأربعة يمكن تطويرها بحيث تكون علوما طبيعية؟ وبتعبير آخر: هل دراسة الطبيعة هي في حقيقة أمرها دراسة للإنسان بصورة غير مباشرة أم أن دراسة الإنسان هي في حقيقة أمرها دراسة للطبيعة بصورة أقل جرأة وعلمية؟ وبتعبير ثالث: هل نحن أمام موضوعين مختلفين، العلوم الطبيعية والعلوم الدينية العقلية أم أننا أمام موضوع واحد يظهر في مستويين الطبيعي المادي والإنساني الحي؟
أما ما يسمى بلغة العصر «العلوم الإنسانية» فهي أيضا مستقلة عن العلوم الدينية العقلية الأربعة حسب نوعية كل منها؛ فالجغرافيا مثلا كما وضحت عند الإدريسي وغيره من الجغرافيين المسلمين مستقلة نسبيا من العلوم الدينية العقلية، ولو أننا نستطيع أن نجد البواعث عليها من توجيهات الوحي العامة لاكتشاف الأرض والسياحة فيها، والتأمل في السماء، والاهتداء بنجومها، وكثيرا ما يتحدث الوحي عن المطر، والجبال، والأنهار، والزرع، والأشجار، والريح، والدواب، وهي كلها موضوعات في الجغرافيا بأنواعها المتعددة وفروعها المختلفة، أما التاريخ فإن الوحي يشير إليه باستمرار لا سيما وأن الوحي نفسه نظرية في تطور التاريخ وحركته كما هو واضح في قصص الأنبياء، ويحتوي على وصف لتطور التاريخ وتتابع الأمم وأسباب قيامها وسقوطها، وقد كان الوحي بالفعل أساسيا عند المؤرخين المسلمين في الاستشهاد به، وبالاعتماد على قوانينه، وفي توجيه حوادث التاريخ به، ويمكن القول بالمثل في علوم اللغة والأدب، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الأخلاق، وعلم القانون، وعلم السياسة، وعلم الاقتصاد، وعلم المنطق، وعلم الجمال، كلها علوم مرتبطة بالوحي وإن لم تظهر كعلوم مستقلة مثل العلوم الدينية الأربعة المذكورة، بل إن كثيرا من هذه العلوم قد تدخل في أحد العلوم الأربعة؛ فالمنطق وعلم النفس وعلم الاجتماع يدخل في الفلسفة، وعلم السياسة وعلم الاقتصاد يدخل في الفقه، وعلم الجمال أدخل في الأدب وفنون الشعر والنثر والخطابة، وهي أيضا فنون ارتبطت بالوحي لا سيما أن الوحي ذاته نظرية في الفن بالإضافة إلى أنه عمل فني، وتكون مهمتنا نحن في وصف الوحي باعتباره علما كليا يشمل كل هذه العلوم، وإرجاع هذه العلوم الإنسانية إلى مصدرها في الوحي، ويكون الوحي بالتالي هو العلم الإنساني الشامل.