تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلو أصول الفقه من اللغة الكلامية والفلسفية، وقيامه على لغة بسيطة وسهلة، مستمدة من الواقع، وخلوه من الأفكار الميتافيزيقية، والنظريات المستعصية، والحجج الطويلة التي كثيرا ما سادت الكلام والفلسفة، فالأصول بهذا المعنى علم وضعي، دون الآثار الوخيمة للوضعية الأوروبية التي اجتثت أصولها الفكرية لعدم ثقتها بها، وبيان زيفها وعدم صدقها، صحيح أن هناك بعض مدارس الفقه الافتراضي الذي يقوم على افتراض واقعة من الخيال لم تحدث بالفعل ولكنها تمثل تيارا واحدا في الفقه، وليست جميع التيارات، كما أنها أقرب إلى مادة الفقه منها إلى علم الأصول. (ه)

ظهور الإنسان بوضوح تام على أنه الموضوع الأول للفكر الديني، وظهور الإنسان العامل

Homo Faber

بوجه خاص ليس بمعنى الصنعة ولكن بمعنى الجهد، والنشاط، والعمل، والتحقيق في حين كان الإنسان مطحونا في علم الكلام داخل الإلهيات، وكان مشتتا في الفلسفة حائرا بين الطبيعيات والإلهيات، وظهور أبعاد الإنسان من حيث هو شعور تاريخي، وشعور لغوي، وشعور عملي، وما زلنا نحن في واقعنا المعاصر يتمركز فكرنا القومي على الله، ولمنظور المكتسبات الإنسانية في تراثنا القديم، بالرغم مما نحن فيه من مآسي الإنسان التي كانت يمكن أن تجعله محورا أساسيا في فكرنا القومي. (4)

وفي نفس الوقت الذي ظهر فيه الأصول، ظهرت اتجاهات منعزلة في الجماعة الإسلامية لا تشارك في حياتها مشاركة إيجابية فعالة، لم تلفظها الجماعة لأنها كانت لا تمثل خطرا عيها بل قد يأتي منها الخير نظرا لسلوكها الفاضل وحياتها الروحية الصافية، وبعد الفتنة ازدادت هذه الجماعات المنعزلة وتكاثرت كمظهر من مظاهر العجز عن مقاومة نظم الحكم القائمة على الاغتصاب والبطش مثل الحكم الأموي فظهر التصوف كظاهرة انعزالية في نشأته وتطوره كرد فعل على تكالب الناس على الحياة، وبعد اشتداد وطأة المعارك الحزينة والتناطح بين الفرق، وبعد فشل كل محاولات التغيير الأمر الواقع بالقوة، واستشهاد لأئمة من آل البيت، ولا يقال إن نشأته ترجع إلى حياة الرسول، فقد كانت حياته حياة الإنسان الكامل كما كانت حياة الجيل الأول حياة الجماعة الكاملة، واستمر هذا التيار يقوى حتى ظهر كاتجاه عام يدعي تفسير الأصول، ويتميز بالآتي: (أ)

كانت الاتجاهات الفكرية حول النص حتى الآن عقلية جدلية في علم الكلام أو عقلية خالصة في الفلسفة أو عقلية واقعية في الأصول، ولكن ظهر التصوف يمثل تيارا مضادا، ويضع أسس اتجاه قلبي لا يعترف بالعقل، وإن اعترف به فلمستوى معين وليس لجميع المستويات وأعمقها، ومن ثم وقع التضاد في العالم الإسلامي بين منهجين: العقل والقلب، النظر والذوق، وبذلك انكشف بعد الوجدان أو الشعور لأول مرة بوضوح في تراثنا القديم، واعتبر الحب محور الشعور وعاطفته الأولى، وأعطى الأولوية للعمل على النظر، فالعلوم ثمرة الأعمال، وهو ما زال سائدا في واقعنا المعاصر بالرغم من أنه لا وجود لعقل جدلي أو لعقل برهاني أو لعقل منطقي يمكن أن يحدث عنه رد فعل وجداني، ومن ثم فنحن نعيش رد فعل قديم في عالم معاصر، ولو أننا أردنا أن نبدأ من رد فعل معاصر، لأعطينا الأولوية للعقل على القلب، وللنظر على الذوق، ولما كان عصرنا الحاضر غارقا في الإشراقيات القديمة إلى أذنيه يجد فيها عزاء وتعويضا عن مآسيه وأحزانه. (ب)

يمثل التصوف مع الأصول فكرا منهجيا وليس فكرا نظريا كما هو الحال في الكلام والفلسفة، ويضع نفسه كطريقة عملية وليس كبحث نظري، ومن ثم النظرتان: فكر نظري في الكلام والفلسفة وفكر منهجي في الأصول والتصوف، ويصير الاختيار حتميا على سؤال: هل الكتاب يحتوي على نظرية أم على منهج؟ ولما كان الحاضر يعاني من كليهما من غياب النظرية والمنهج معا ويعاني من غياب المنهج أكثر فغياب المنهج هو سبب غياب النظرية، كان اختيار عصرنا هو إحياء الفكر المنهجي وإعطائه الأولوية على الفكر النظري. (ج)

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٧٧