2
وبالرغم مما يبدو على الموضوعات الكلامية من طابع تقليدي إلا أن هذا الطابع يظهر في طريقة عرضها أو في المادة القديمة وليس في الموضوعات ذاتها، فطريقة العرض القديمة تجعل الله طرفا في كل مشكلة، ويكون مع الإنسان الله المشخص المريد، الفاعل، العاقل، القادر ... إلخ، ولكن التوحيد ذاته موضوع مستقل بذاته، فالتوحيد يعني وحدة البشرية ووحدة التاريخ، ووحدة الحقيقة، ووحدة الإنسان، ووحدة الجماعة، ووحدة الأسرة ... إلخ، والحرية موضوع كل عصر، ولكن تتغير أطراف الحرية مرة تتحدد الحرية بالنسبة للسلطة ومرة ثانية بالنسبة للآخر ومرة ثالثة بالنسبة للعقبات، والعقل مشكلة كل عصر إذ تتهدده الخرافات، والأساطير، والغيبيات، والأسرار، والأوهام، والانفعالات، والأهواء، والمصالح، والرغبات، والميول، والعمل موضوع كل عصر، فالعمل هو المعبر عن النظر وهو المحقق له، والسياسة هي حياة كل عصر، والشورى نظام كل جماعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الحياة السياسية، إنما المهم هو إيجاد الدلالة المعاصرة للموضوع القديم وتخليصه من شوائبه اللاهوتية والتاريخية والنظرية، وإعادة وضع المشكلة الوضع الصحيح، وهو الوضع الإنساني الاجتماعي، وتكون مهمتنا مثلا في إعادة بناء علم الكلام التقليدي وهو التركيز على التوحيد كعملية توحيدية، وعلى الحرية كعملية تحرر، وعلى العقل كعملية تنوير، وعلى العمل كعملية تحقيق وتغيير شامل، وعلى الشورى لتغيير النظم التسلطية، وعلى الطبيعة من أجل إدخال بعدها في الشعور المعاصر وعدم الاستنكاف منها بناء على عواطف التطهر والتطهير، قد تكون مهمتنا أيضا إحياء التراث الاعتزالي الذي توقف منذ القرن الخامس، ولم يظهر إلا في بؤرات متفرقة لم تستطع أن تعيد ما توقف إلى حياة الناس وإلى الروح المعاصرة. (1) العلوم الإسلامية الأربعة
نشأ التراث من مركز واحد وهو القرآن والسنة، ولا يعني هذان المصدران أي تقديس لهما أو للتراث بل هو مجرد وصف لواقع، فلو لم يكن هناك قرآن لما قام التراث القديم ولما نشأت الحضارة الإسلامية؛ لذلك يمكننا التفرقة بين نوعين من الحضارات: حضارة مركزية تدور حول مركز واحد هو في الغالب كتاب مقدس سواء كان وحيا أو تاريخا، وتنشأ حوله، وتستمد وجودها منه، وتنسج علومها العقلية عليه، وتتطور في حلقات حوله، متداخلة فيما بينها على مر العصور، وحضارة أخرى لا مركزية ولم تنشأ حول نقطة محورية، ولم تصدر علومها عنه، تذهب في كل اتجاه، وتجرب كل مذهب، لا يجمعها جامع، وتظل مذبذبة بين الاتجاهات والمذاهب فاقدة عنصر التوازن فيها، وباحثة عن شيء لا تعلمه أين هو، ويظل البحث الإنساني مستمرا، يتغير بتغير العصور والأزمان، وأصبح البحث عن الشيء أهم من الشيء نفسه؛ لذلك قويت فيها المناهج وكثرت فيها مذاهب النقد والشك، وتعددت فيها الاتجاهات كي تغطي هذا النقص المحوري في نشأتها، ولكن الغالب أن كل الحضارات المعروفة حتى الآن حضارات مركزية نشأت من مركز واحد هو الدين، سواء كان ذلك في الأساطير اليونانية بالنسبة للحضارة اليونانية أو في الإنجيل بالنسبة للحضارة الأوروبية أو في التوراة بالنسبة للتراث اليهودي أو في كتاب الموتى والأساطير المصرية بالنسبة للحضارة المصرية القديمة، أو في قوانين حمورابي بالنسبة للحضارات السامية القديمة، أو في وصايا كونفوشيوس بالنسبة للحضارة الصينية القديمة أو في الفيدانتا بالنسبة للحضارة الهندية، أو في القرآن والسنة بالنسبة للحضارة الإسلامية.
نشأت الحضارة الإسلامية إذن حول الكتاب والسنة، ونسجت حولها العلوم الإسلامية العقلية الأربعة: الكلام والفلسفة والتصوف والأصول، وبصرف النظر عن ترتيب ظهورها زمنيا، فقد ظهر الكلام والتصوف معاصرين للفتنة بعد ظهور أصول الفقه معاصرا لزمن الرسالة، ثم ظهرت الفلسفة أخيرا بعد عصر الترجمة في أواخر القرن الثاني، إلا أنه من الناحية الفكرية الخالصة نشأت العلوم التقليدية الأربعة كالآتي: (1)