1
ويكون قد استطاع الحصول على أنماط من أبنية العلوم قد يقبلها أو يرفضها أو يطورها فضلا عن ربط نفسه وفكره وعمله بتراثه، وأصبح باستطاعته ليس فقط الخلق بل أيضا التجديد، ويكون قد حصل على نقطة ارتكاز في تاريخ حضارته.
وفي إعادة بناء العلوم يمكن أن يوضع كل شيء موضع التساؤل من جديد، ولكن تظل نقطة البداية هي الوحي الموجود بالفعل في كتاب، فالوحي هو الموضوع الأساسي لجميع العلوم، بل إن الحضارة الإسلامية كلها إن هي إلا محاولة لعرض فكري منهجي لهذا الوحي في مرحلة معينة، ولبيئة ثقافية معينة، وتحت ظروف وملابسات محددة، ويتضح ذلك من داخل أبنية هذه العلوم نفسها، فعلم أصول الفقه يبدأ بالوحي الموجود في الكتاب والسنة كأساس للشعور التاريخي الذي يقوم بدوره في النقل عن طريق مناهج الرواية؛ التواتر والآحاد، وعلم الكلام يبدأ بالوحي محللا آياته وأحاديثه لإخراج تصور الله، ذاته وصفاته وأفعاله، والتصوف يبدأ أيضا بالوحي متمثلا أوامره ونواهيه في السلوك، والفلسفة تبدأ بالوحي وفهمه بحيث يمكن بواسطته احتواء البيئات الثقافية المتاخمة. فالبدء بالوحي ضمان واقعي وعلمي وحضاري في العثور على نقطة بداية لها يقين مطلق، ونقطة ارتكاز للعلوم التي تتأسس في العقل وفي الواقع، والوحي ذاته ليس موضع تساؤل، إنما هو كيفية عرضه وبنائه النظري، وقبول الوحي قائم على واقعة وهو وجود كتاب لا يدعي أحد أنه مؤلفه، بل هناك فقط المعلن عنه، ويمتاز الكتاب بأنه وثيقة تاريخية صحيحة لم يصبها التحريف أو التغيير، نقصا أو زيادة. لا يتطلب إثبات الوحي البداية بنظرية في النبوة؛ لأنه موجود بالفعل في كتاب يمكن التثبت من صحته التاريخية أو من صدقه بتطابقه مع الواقع من خلال التجربة الإنسانية، ومن خلال فاعليته في التغيير وفي إعطاء أبنية مثالية للعالم يجد فيها العالم كماله.
وكل المشاكل التي تعرضها العلوم التقليدية تحتاج إلى إعادة بناء؛ فكثير منها مشاكل خاطئة سببتها ظروف معينة أو نشأت ردا على بدعة تناقلها الناس وانتشرت وذاعت الردود عليها. مهمة الباحث إذن أخذ موقف من هذه المشاكل إما بإلغائها إن كان وضع المشكلة وضعا غير شرعي أو بإعادة بنائها إن كانت موضوعة وضعا خاطئا، أو بإيجاد دلالة جديدة لها إن كانت موضوعة وضعا شرعيا، مثال ذلك كل مسائل علم الكلام التي ظهر فيها الله كطرف للإنسان مثل الجبر والاختيار، والحسن والقبح، والوعد والوعيد، فهي مسائل موضوعة وضعا خاطئا؛ لأن الله ليس طرفا في فعل الإنسان بل العالم، والحسن والقبح يحددان علاقة الذات بالموضوع وليس علاقة الموضوع بالله، والوعد والوعيد يحددان آثار الفعل في هذا العالم وليست آثاره المترتبة عليه في عالم آخر.
وغالبا ما تدرس العلوم الإسلامية في التراث ولا تتجاوز مرحلة الخلق الأولى، وإن تعديناها فعلى أكثر تقدير تذهب حتى عصر الشروح والملخصات وننسى كلية الحركات التجديدية المعاصرة التي حاولت من قبل إعادة بناء العلوم التقليدية في صورة جزئية لأنها كانت دعوات إصلاحية أكثر منها دعوة للبحث الخالص، فهناك محاولة لإعادة بناء علم أصول الدين في «رسالة التوحيد» وهناك محاولة أخرى لإعادة بناء الفكر الفلسفي في «الرد على الدهريين»، وهناك محاولات أخرى عديدة لإعادة بناء علوم التصوف والفقه والأصول، هذه الحركات التجديدية جزء من التراث، ومحاولات سابقة لتجديده يجب أن تؤخذ في الاعتبار بالرغم من قصر مدتها أو تناولها بعض أجزاء هذه العلوم دون أن تتناولها في جملتها.
فإذا أخذنا علم الكلام مثلا فإن دراستنا له يمكن أن تتم بمنهج فقهي، أي أنها تكون دراسة تحلله من أجل الحكم عليه كما فعل الفقهاء من قبل، ولكن التحليل هنا لا يعني اللجوء إلى النص الخام أو تكفير المتكلمين بل بيان نشأة الأفكار ثم أثرها في حياتنا المعاصرة، وهجومنا على علم الكلام القديم ليس بدعة في تاريخ هذا العلم فهو أكثر العلوم تعرضا للهجوم نظرا لقدم مادته وعدم توازن حلوله، وخطورة نتائجه، ووعورة مناهجه وحججه، ولكن هجومنا عليه ليس بتكفير أصحابه أو بمجرد نقد أفكارهم، بل ببيان نشأته وحدوده وعيوب مناهجه، وخطورة نتائجه، أي بإعادة وصف نشأة هذا العلم وتطوره ابتداء من أصوله الأولى في الوحي، أي أننا نعيده إلى محكمة التاريخ، والظروف التي أدت إلى نشأة علم الكلام التقليدي هي ظروف مستجدة في كل عصر، ففي كل عصر تبدو الحاجة إلى تنظير الواقع وإلى إيجاد أسس نظرية للأحداث من مصدر نظري متوارث أو من العقل المحض أو بناء على متطلبات الواقع، وهذا هو السبب الداخلي، وفي كل عصر تهاجم الحضارة من حضارات مجاورة، ويراد القضاء عليها أو على الأقل يراد بها التشويش والخلط فتنشأ حركات داخلية للدفاع عن الحضارة وللقيام بعمل هجوم مضاد على الأفكار الدخيلة، وما زال الهجوم قائما على التوحيد وعلى العقائد وعلى النظم، بل إن الهجوم قد زاد وتجاوز الفكر إلى الأرض والشعوب والثروات، فيمكن إذن أن يبقى على علم الكلام مع تجديد مادته كدفاع عن الحضارة وتأصيل لها وكهجوم مضاد على الحضارات الغازية، وفي نفس الوقت يكون مقدمة الدفاع عن الأرض والشعوب والثروات، وهذا هو السبب الخارجي.