كان علم الكلام أول عمل عقلي في النص الديني، فقد كانت مهمة المتكلم تحويل النص إلى معنى، والآية إلى فكرة، فكان الكلام أول محاولة للعثور على نظرية عقلية خالصة للنص الديني، وقد تم تحويل ذلك بجهد داخلي خالص دون أدنى اتصال على الأقل في نشأة العلم، بحضارات أخرى، إذ تم ذلك قبل عصر الترجمة بكثير، ولم يكن هناك واقع محدد لذلك، مثل الرد على الزنادقة والملاحدة بل كان العلم حركة طبيعية في تجاوز النص الديني إلى المعنى العقلي لا سيما وأن النص بطبيعته يرتكز على العقل ويقوم عليه، فالعقل كما ظهر فيما بعد هو أساس النقل، كان علماء الكلام أشبه بوزراء الداخلية في العصر الحاضر، مهمتهم المحافظة على الأمن العقلي الداخلي والمحافظة على النظام الداخلي للحضارة الناشئة، وكان علم الكلام أشبه بالدائرة الفكرية الأولى التي نسجت حول النص الديني، وأخذ طابعا نظريا خالصا؛ لذلك حكم عليه البعض بأنه يمثل الفكر الأصيل الذي يعبر عن جهد الجماعة الأولى دون أية مؤثرات خارجية،
3
ولما تطورت الحضارة، وتمثلت الأديان المنتشرة على الواقع الثقافي، اتجه العلم للدفاع عن التصور الجديد للعالم والرد على الديانات التاريخية، ومن ثم تحول العلم إلى تاريخ أديان في جزء كبير منه، وكان الرد على الفرق غير الإسلامية إحدى مقدماته وأحيانا في صلبه في عرض وصف الواحد من أوصاف الذات الست، ولكن الرد لم يكن على بيئة خارجية بل على أفكار ومذاهب وملل ونحل انتشرت في البيئة المحلية، وذاعت على الصعيد الثقافي، فكان العلم يعمل أيضا في الجهة الداخلية،
4
ولما ظهر خطر علوم الحكمة والفلسفات النظرية على العلم انبرى العلم للدفاع عن التصور الأصيل متعاملا مع علوم الحكمة متمثلا ما يتفق منها مع هذا التصور ورافضا ما يختلف معه، ولكن هذا الرد لم يكن ضد الفلسفة اليونانية بل كان ضد علوم الحكمة التي انتشرت وذاعت في البيئة الثقافية المحلية، وبالتالي ظلت مهمة علم الكلام داخلية محضة لا شأن له بالمعارك الخارجية،
5
وإذا كان علم الكلام قد استطاع في مراحله الأخيرة، الانتقال من علم العقائد، إلى علم تاريخ الأديان وإلى علم الحضارة، فإنه استطاع أيضا أن يتحول إلى علم حضارات مقارن عن طريق وضع الحضارة الإسلامية مع الحضارات الإنسانية حينذاك مثل حضارة الهند والفرس والروم، ومع ذلك ظلت مهمة العلم داخلية محضة لأن هذه الحضارات كانت قد دخلت البيئة الثقافية الإسلامية وكانت تمثل جزءا من الجهة الداخلية ولو أنه في نشأتها كانت وافدة،
6
وقد خسرنا نحن الآن بالرجوع إلى النص الخام في اعتمادنا على قال الله وقال الرسول وعجزنا عن تحويله إلى معنى، وعدم قدرتنا على أن نعيش في عالم المعاني، وأصبحنا أسرى للنصوص بعد أن كانت النصوص أسرى لعقول القدماء. (2)
وحول هذه الحلقة الفكرية الأولى وابتداء منها، وباستعمال وسائل التعبير المتاحة بعد عصر الترجمة نشأت دائرة فكرية أخرى أوسع نطاقا وأشمل تصورا، مهمتها تحويل هذه المعاني الأولية التي صاغها علم الكلام إلى نظريات عامة وتصورات شاملة للكون لمواجهة نظريات وتصورات أخرى دخيلة، فحين ظهر علماء الكلام كوزراء للداخلية من أجل المحافظة على النظام العقلي الداخلي للحضارة الناشئة، ظهر الفلاسفة كوزراء للخارجية مهمتهم التعامل مع حضارات أخرى غازية، وفي مقدمتها الحضارة اليونانية وكحماة للحدود الحضارية المتاخمة، ويعيدون بناء دائرتهم الفكرية الأولى التي ورثوها عن علماء الكلام على أساس من المفاهيم الجديدة من الحضارات الغازية، مستعملين نفس أسلحتهم التصورية، فهم بهذا حراس حدود أيضا أو مجددون، حاولوا إعادة بناء العلم النظري القديم، وهو علم الكلام، إلى علم نظري جديد وهو الفلسفة، وهذه تشارك علم الكلام في كونها فكرا نظريا خالصا ولكنه أكثر شمولا وأوسع نطاقا، ومن ثم فإن الفلسفة من جنس علم الكلام، ونجد كثيرا من المتكلمين فلاسفة وكثيرا من الفلاسفة متكلمين،