تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما ينطبق على الكتاب والسنة ينطبق على الإجماع والاجتهاد؛ فالإجماع تجربة مشتركة تتم في شعور الجماعة، ويصدر الحكم نتيجة لعديد من العمليات الشعورية يتدخل فيها نص الوحي من الكتاب والسنة كعامل كما تتدخل فيها التجربة المشتركة والواقع المشكل كطرف آخر. والاجتهاد أيضا عمل شعوري خالص يقوم به المجتهد ابتداء من فهمه لنصوص الوحي في الكتاب والسنة وعلمه بالتجارب المشتركة السابقة ورؤيته للواقع المشكل رؤية مباشرة لمعرفة طريقة تغييره إلى واقع مثالي مطابق للوحي، فالمنهج الأصولي إذن كله بأدلته الأربعة منهج شعوري، كما أن المنهج الصوفي منهج شعوري، وعلم الكلام علم شعوري، وعلوم الحكمة علوم شعورية. والشعور هو وصف حقيقي للمعرفة وللوجود إجابة على سؤالي: كيف يحصل الإنسان على معرفة وكيف يعيش الوجود؟ لا شيء في العالم الخارجي يمكن إدراكه ومعرفته إلا من خلال الشعور، والتصورات لا تفكر بل تعمل من خلال الشعور، والأشياء لا تعني إلا من خلال الشعور؛ فالشعور هو موطن المعرفة والوجود معا لأنه هو ذاته معرفة ووجود، فهو الذات العارفة وهو الوجود الإنساني في آن واحد. نحن ما نشعر به والعالم هو ما نشعر به، وعلمنا نتيجة لشعورنا بالعالم، ووجودنا ووجود العالم هو ما نشعر به، فالبداية بالشعور بداية يقينية لا تسبقها بداية أخرى.

والشعور أيضا مطلب من مطالب العصر، وكثيرا ما نجد في أدبنا المعاصر دعوة إلى الإحساس بما يدور حولنا، ونداء لليقظة الداخلية، وخطابا موجها مباشرة إلى شعورنا. يقظة الشعور هو هدف المصلح، وغاية المجدد، أمل المفكر، وبغية الثائر، وهو أن يعي الإنسان موقفه في الحياة حتى يشعر بذاته وبما حوله وبأبنية الواقع التي هو غارق فيها، ومدى بعدها عن الأبنية المثالية في الوحي، وعندما نعاني أزماتنا وهزائمنا وانتصاراتنا فإننا نعانيها بالشعور، وعندما نحس بالمرارة والألم والعار والتسول فإنما نحسها بالشعور، وعندما يحاول الطاغية استعباد الناس يلهيهم ويبعدهم عن دائرة الشعور؛ فالفقر هو شعور بالفقر، والاحتلال شعور بالاحتلال وإلا لما ثار الناس ضد الفقر ولما حاولوا تحرير أراضيهم، كذلك كثرت في أدبنا المعاصر تحليلات الشعور ووصف ما يعتري في نفوس الناس من تمزق وحيرة وألم وضياع.

والشعور أيضا جزء من بيئتنا الثقافية المعاصرة التي انطبعت بطابع الثقافات الملاصقة وأصبح موضوعا شائعا. لقد استطاعت الحضارة الأوروبية بعد نضال دام أكثر من أربعة قرون إثبات الإنسان والشعور الإنساني كنقطة بدء يقينية ليس قبلها شيء، وكل شيء بعدها يكون من خلالها، وهذا هو معنى الكوجيتو الديكارتي واستمرار النضال باسم الشعور حتى تأكد مرة ثانية في القصدية عند هوسرل، وبعد عصر الترجمة الثاني الذي بدأ لدينا منذ قرنين أصبحت لغة الشعور متداولة وصار بعد الشعور شائعا؛ فالشعور وارد من التراث والتجديد على السواء . لغة الشعور لغة شائعة ومعروفة وموجودة في المخزون النفسي عند المثقفين المعاصرين كما كانت ألفاظ السندس والاستبرق ومفاهيم الله والرحمن شائعة في المخزون النفسي في الشعور العربي القديم. (3) تغيير البيئة الثقافية

وواقع البيئة الثقافية مستوى ثالث للتحليل؛ وذلك لأن العلوم التقليدية نشأت في واقع معين له ظروفه وملابساته، وثقافته أدت إلى نوع معين من المادة العلمية التي تعكس تماما المشاكل التي تعرضها هذه الظروف والملابسات، نشأت العلوم التقليدية من واقع الحضارة القديمة وعلى مستواها الثقافي وفي واقعها التاريخي، وهذا الواقع حدد بناء كل العلم، ماهيته، ومناهجه، ونتائجه، ولغته، فالعلوم القديمة بهذا المعنى ليست علوما مطلقة ثبتت مرة واحدة وإلى الأبد بل هي علوم نسبية حاولت التعبير عن الوحي في إطار نوعية الثقافة الموجودة في العصر القديم، هناك إذن فرق بين العلم ومادته، فالعلم بناء عقلي قد يعرض في مادة معينة أو غيرها في حين أن المادة تعطيها البيئة الثقافية المحددة في الزمان والمكان، البناء لا يتغير ولكن المادة تتغير، وهذا ما أوله الفلاسفة المسلمون في شروحهم على أرسطو، خاصة ابن رشد، وذلك بالإبقاء على بناء العلم العقلي، ثم إسقاط المادة اليونانية واستبدال مادة إسلامية بها، وهذا أيضا ما فعله الفقهاء وشارح المنطق بإسقاط الأمثلة اليونانية واستبدال أمثلة من الكتاب والسنة بها.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٦٥