15
ويظهر الشعور في الفلسفة في نشأتها منذ عصر الترجمة، حيث يقوم المترجم بفهم العبارة الأجنبية ويحاول أن يجد لها مقابلا في لغته الخاصة، ثم عند الشارع الذي يقوم باحتواء الفكرة الدخيلة ووضعها داخل قوالب حضارته الخاصة، ثم عند الفيلسوف ذاته الذي يقوم بعملية الاحتواء الحضاري كلها، ويستعير لغة الحضارة المعروفة حديثا للتعبير بها عن معانيها الأولية التي على قوامها نشأت حضارته. هذه العمليات كلها تحدث في الشعور، في شعور المترجم أو في شعور الشارح، ومع أن قسمة الفلسفة إلى منطق وطبيعيات وإلهيات قسمة لا يظهر فيها الإنسان، أو بعد الشعور، ظهورا واضحا، إلا أن المنطق ذاته أحد جوانب الشعور ولو أنه منطق صوري معياري يضع قواعد للذهن تعصمه من الخطأ. أما الطبيعيات فإنها تشخيص للطبيعة يمكن رؤية الشعور المسقط عليها بسهولة في ترتيب عناصر الطبيعة ترتيبا تصاعديا أو تنازليا حسب مراتب الشرف والكمال. والإلهيات ذاتها تعبير عن إحساس الإنسان بالكمال وتشخيصه، هذا الكمال في الموجود الأول وصفاته المطلقة، ولكن إخوان الصفا زادوا قسم النفسيات لتعلن صراحة عن عالم النفس، وهو عالم الشعور باللغة القديمة، والنص الديني نفسه أصبح عند الفلاسفة بعدا للشعور بتأويله كصورة فنية مهمتها الإيحاء والتأثير في النفوس.
وقد ظهر الشعور بصورة واضحة للعيان في التصوف، بل إن التصوف إن شئنا هو علم الشعور كما يبدو من علوم الأخلاق والنفس والفلسفة التي تتخلل مراحل الطريق الصوفي؛ فتصفية النفس، والتشبه بصفات الكمال، والتوبة، والخوف، والحزن، والبكاء، كلها أفعال للشعور. وأحوال النفس وما يعتري النفس من قبض وبسط، خوف ورجاء، صحو وسكر، غيبة وحضور، وجد وفقد، قرب وبعد، بقاء وفناء، كلها أحوال شعورية خالصة، حتى يصل الصوفي في النهاية إلى وحدة الذات أو وحدة الشهود أو وحدة الوجود، وهي أيضا حالات شعورية ناتجة عن اتحاد صاحب الدعوة برسالته واتحاده بالحقيقة، كما أن علاقة الشيخ بالمريد علاقة شعور بشعور وتراسل بين الذوات، ومعرفة الصوفية معرفة شعور من شعور، وسعادته اتحاد شعور بشعور.
ونصوص الوحي ذاتها نشأت في الشعور، إما في الشعور العام الشامل وهو ذات الله أو في الشعور المرسل إليه والمعلن فيه، وهو شعور الرسول أو شعور المتلقي للرسالة، وهو شعور الإنسان العادي الذي قد يشعر بأزمة فينادي على حل ثم يأتي الوحي مصدقا لما طلب. الوحي ذاته مجموعة من الآيات نزلت إبان ثلاثة وعشرين عاما، كل آية أو كل مجموعة من الآيات تمثل حلا لموقف معين في الحياة اليومية لفرد أو لجماعة من الأفراد. نصوص الوحي ليست كتابا أنزل مرة واحدة مفروضا من عقل إلهي ليتقبله جميع البشر، بل مجموعة من الحلول لبعض المشكلات اليومية التي تزخر بها حياة الفرد والجماعة، وكثير من هذه الحلول قد تغيرت وتبدلت حسب التجربة على مقدار الإنسان وقدرته على التحمل، وكثير من الحلول لم تكن كذلك في بادئ الأمر معطاة من الوحي بل كانت مقترحات من الفرد أو الجماعة، ثم أيدها الوحي وفرضها، وهذه الخاصية توجد في الوحي في آخر مراحله وهو الوحي الإسلامي، فهو ليس عطاء من الوحي بقدر ما هو فرض من الواقع وتأييد الوحي له، وهذا هو معنى «أسباب النزول».
وما ينطبق على الكتاب ينطبق على السنة؛ فالسنة مجموعة من المواقف الإنسانية يعمل فيها شعور النبي، ويقوم بدور المشرع للواقع إما بناء على الوحي الأول أو بناء على وحي جديد أو على الفهم التلقائي للنبي لهذا الواقع. وقد كان النبي قبل نزول الوحي وبعده يعيش ويتأزم، ويفرح ويتألم، يأمل وينتظر، فكانت له تجارب شعورية، وكان الوحي الذي ينتظره ثم يأتيه تفريجا عن هم أو حلا لإشكال، أي أن علاقة النبي بالوحي كانت علاقة شعورية وعلاقتنا نحن بالنبي علاقة شعورية أيضا باتخاذنا إياه قدوة حسنة ومثال للسلوك.