تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

فمثلا يغلب على الفقه القديم طابع العبادات ولا تأتي إلا في الدرجة الثانية؛ وذلك لأن العبادات كانت تكون سلوكا جديدا للناس، وكانت أهميتها أنها تعطي للناس سلوكا شرعيا في حين أن المعاملات كانت موجهة بالوحي، ولم تكن هناك حاجة ماسة لتفضيل المعاملات أو لإعطائها الأولوية على العبادات، ولكن الواقع الآن قد تغير، والظروف قد اختلفت، فالعبادات لدينا قائمة بل ومسيطرة ومهيمنة، ولكن المعاملات هي الضائعة المنزوية، فتجديد الفقه القديم يحدث بإعطاء الأولوية للمعاملات على العبادات لأن المعاملات هي موطن الأزمة، وقد يكون هذا أقرب إلى روح الوحي الذي فيه المعاملات عبادة، وبذلك نقضي على التصور الموروث للعبادة على أنها مجرد التوجه نحو المعبود بالشكر والثناء،

17

وعلى نفس النحو، كانت للعلاقات الشخصية في الفقه القديم، أحكام الزواج والطلاق والمواريث ... إلخ الأولوية على العلاقات العامة التي تشمل علاقات الحاكم بالمحكوم، وروجنا لهذه المادة في عصرنا الحاضر بعد ضمور التشريع واقتصاره على الأحوال الشخصية ما دام المعاصرون قد قبلوا الأوضاع الحالية واستسلموا للحكام، وحددوا علاقاتهم معهم على أساس الطاعة والولاء أو التبرير والنفاق وإلا فالسجن والعقاب، في حين أننا في العصر الحاضر في حاجة إلى تغيير المادة الفقهية القديمة وإعطاء الأولوية لعلاقات الحكام بالمحكومين على علاقتهم الشخصية، فمأساتنا هي في نظم الحكم وليست في نظام الأسرة، ومشاكل الأسرة من طلاق وتربية للأطفال، ليست مشاكل فردية ترجع إلى أخلاق الناس بقدر ما هي مشاكل اجتماعية يحددها وضع الأسرة الطبقي ودخلها ومهنتها وطبيعة النظام السياسي الذي تعيش فيه، وعلى نفس النحو إذا كان الجدل قد تم في العصر القديم بل أهل الأثر في الحجاز وأهل الرأي في العراق، وكثرت الأمثلة الفقهية المفترضة ابتداء من النص أو من الرأي دون أن يكون لها أدنى وجود في الواقع مثل: ما حكم بيضة خرجت من دجاجة بعد أن جامعها رجل هل يجوز أكلها أم لا؟ ما حكم امرأة أقسم بعلها أنها طالق لو جامعها في هذا الثوب أو لم يجامعها في هذا الثوب؟ ما حكم وصية كتبها رجل وهو بين أنياب الأسد؟ هذه الأمثلة الفقهية الافتراضية حدثت من ارتياح الناس لمعاشهم وشغل أوقاتهم بالواقع الافتراضي الخالص حتى يظهروا عبقرياتهم في صياغة الحلول، أما الآن فواقعنا متأزم إلى درجة الاختناق، وحياتنا ذل وعار من الاحتلال ووجودنا كله مهدد بالفناء، والأرض ضائعة، والناس سكرى باللهو، ومنتشية بالغناء والرقص، والروح تضمر، والنهاية تقترب، فمادة التشريع المعاصرة مادة موجودة بالفعل، ومادة ملحة لأنها تنبع من واقعنا وحياتنا ووجودنا، وإذا كان الفقهاء قديما قد اختلوا وتصارعوا في حكم الصلاة في الدار المغصوبة فمن منا يذهب إلى الصلاة في فلسطين؟ ومن منا يعبر القناة أو الأردن للصلاة في القدس؟ نداء الصلاة يشنف الآذان والدار مغصوبة.

وفي علم أصول الدين كانت المشكلة القديمة هي مشكلة التوحيد ضد أخطاء التأليه والتجسيم والتشبيه والشرك وتعدد الآلهة، ومن ثم ظهر التوحيد القديم في هذه المادة، وتشبعت الأسئلة عن اليد، والعين، والوجه، والصعود، والنزول، والاستواء، ولكنهم كانوا منتصرين على الأرض، وكانوا فاتحين للبلاد، محررين لسائر الجماعات البشرية فكرا ونظما، أما الآن فالوضع يختلف، فالتوحيد كتنزيه ليس في خطر بل يعلم الناس كلهم اليوم أن المعبود ليس كمثله شيء وهو منزه عن صفات البشر، ولكن الأرض هي الضائعة، والناس مهزومة، والجماعة تتهاوى، والنظم تتساقط، والروح مستذلة ومستعبدة، ومن ثم يمكن لمادة التوحيد أن تتغير، فالمادة القديمة مرتبطة بعصرها، ومادتنا مرتبطة بعصرنا، وكيف يستمر قيام علم التوحيد على المادة القديمة؟ ومن ثم فتوحيدنا هو لاهوت الأرض، ولاهوت الثورة، ولاهوت التحرر، ولاهوت التنمية، ولاهوت التقدم، كما هو الحال في عديد من الثقافات المعاصرة في البلاد النامية التي نحن جزء منها.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٦٦