وأهم هذه المستويات هو الشعور، والشعور مستوى أخص من الإنسان، وأهم من العقل، وأدق من القلب، وأكثر حيادا من الوعي، يكشف عن مستوى حديث للتحليل موجود ضمنا داخل العلوم التقليدية نفسها، ولكن نظرا لظروف نشأتها لم يوضع في مكان الصدارة، ولم يعط له الأولوية الواجبة، ولكن يفهم ضمنا، ويقرأ فيما بين السطور. صحيح أن تراثنا القديم يغفل البعد الإنساني لأن الإنسان كان موجودا بالفعل، وهو حامل الوحي، وصانع الحضارة، وفاتح البلاد، ولكن التنزيه هو الذي كان موضع الخطر من الداخل واتجاهات التأليه والتجسيم والتشبيه أو من الخارج من الوثنية والشرك وتعدد الآلهة. يظهر الموضوع في الحضارة عندما يغيب في الواقع. ويغيب في الحضارة عندما يوجد في الواقع، لم يظهر الإنسان واضحا في الحضارة كبعد مستقل كالإلهيات أو الطبيعيات لأن الإنسان كان موجودا بالفعل، ومع ذلك فنجد أن الإنسان وبوجه أخص الشعور موجود ولكنه متخف وراء الإلهيات وداخل العلوم التقليدية.
يظهر الشعور في البناء الثلاثي لعلم أصول الفقه في الأخبار، والمبادئ اللغوية، والأحكام؛ فتحليل الأخبار هو أساسا تحليل لشعور الراوي، وكيفية قيامه بمهمة النقل التاريخي للمأثورات الشفاهية. بل إن مناهج النقل التاريخي، التواتر والآحاد، الخاصة بالسند قائمة أساسا على مبدأ وجود الراوي، ومدى صلته بالرواة الآخرين، وما يعيب المتن من زيادة أو نقصان خاضع لذاكرة الراوي، وصحة الرواية مرهونة بتطابق السمع والحفظ والأداء. ومن مظاهر الشعور الحسية وصلته بالعالم الخارجي، وصحة النقل كلها مرهونة بشعور الراوي وموضوعيته، وحياده والتي يحددها العقل والبلوغ والعدالة والضبط والاعتقاد، وهي كلها أحوال لشعور الراوي. أما المبادئ اللغوي فهي تقوم أيضا على تحليل شعور المجتهد باعتباره شعورا لغويا منطقيا؛ فالحقيقة والمجاز يشيران إلى بعد الصورة الذهنية وهو بعد شعوري، والظاهر والمؤول يشيران إلى بعد شعوري وهي مستويات العمق في التحليل. وتحليلات العلة وأقسامها المختلفة، إن هي إلا تحليلات للعمليات المنطقية التي تدور داخل شعور المجتهد. وأخيرا تكشف الأحكام أيضا عن شعور المكلف الذي يوجه الفعل كسلوك وقصد ونية، كما يبدو الوحي كله وكأنه تحليل لشعور الشارع وأنه قائم على مقاصد الحياة الكلية، وكأن الشارع هو شعور عام يخاطب شعورا فرديا هو شعور المكلف، فالشعور إذن مستوى خصب لتحليل المادة الأصولية، ولو أنه متخف وراء المادة التقليدية. بل إن مادة الأصول وهي الأمثلة الفقهية لا تتعدى كونها مواقف إنسانية خالصة تظهر في مشكلات الفرد والجماعة؛ فهي ليست فروضا نظرية مجردة ولو أن البعض منها كذلك، كما أنها ليست أشياء طبيعية مصمتة، بل هي مواقف حية تحدث في الحياة اليومية، والإشكال الفقهي في النهاية هو أزمة شعورية تحدث للفرد أو للجماعة، والحل الفقهي إن هو إلا حل لهذه الأزمة وعلاقة المفتي بالمستفتي هي أيضا في نهاية الأمر علاقة شعور بشعور آخر.
14
ويظهر الشعور في علم أصول الدين؛ إذ يكفي تحليل الأصول الخمسة لدى المعتزلة، والتي تحدد معظم مسائل العلم لرؤية الشعور في كل أصل؛ فالتوحيد عندما يتحدد بعلاقة الذات بالصفات والأفعال هو في الحقيقة وصف للإنسان الكامل أو الإنسان كما ينبغي أن يكون، ولن نفهم حقيقة القسمة إلى ذات وصفات وأفعال إلا بالرجوع إلى الذات الإنساني وصفاته وأفعاله. وفي العدل يظهر شعور الإنسان على أنه شعور حر في أفعاله الداخلية، أفعال الإيمان والعلم، أو أفعاله الخارجية، أفعال الجوارح. وفي الحسن والقبح يظهر الشعور العاقل وقدرة الإنسان على التمييز بين الخطأ والصواب في الأفعال. وفي المنزلة بين المنزلتين يظهر الشعور على أنه أساس للفعل، ويظهر في جانبيه النظر والعمل أو النية والفعل. وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يظهر الشعور على أنه الحارس المتيقظ لسلوك الآخرين وللبناء المثالي للواقع، بل إن المشاكل الطبيعية ذاتها لا يمكن فهمها إلا برفعها إلى مستوى الشعور حيث إنها عدة إسقاطات من الشعور على الطبيعة. ومسائل المعاد كلها وصورها الذهنية ترجعنا إلى الشعور من حيث هو تصوير لنهاية العالم من أجل التأثير فيه. والنبوة تفترض أساسا وجود الشعور، الشعور العام المعطى للوحي، والشعور الخاص المستقبل الذي يأخذ الوحي ثم يسلمه بدوره إلى شعور آخر. ومسائل الإمامة هي أيضا في نهاية الأمر وصف لشعور الحاكم وشعور المحكومين والعلاقة بينها، وتاريخ الفرق كله والحكم عليها بالإيمان أو الكفر هو وصف للشعور المثالي المتزن ثم ميوله واتجاهاته عندما يرتكز الشعور على جانب دون آخر؛ فمادة أصول الدين لن تحيا وتجد دلاتها إلا إذا تحولت إلى مادة شعورية وإلا إذا رجعت إلى أصلها في الشعور.