13
ولكن بالرغم من كل المخاطر والاشتباهات التي قد تحوط بمنطق التجديد اللغوي، فإن له نتائج إيجابية حاسمة، أهمها: (1)
التجديد، فبالرغم من أن حركات التجديد لم تتوقف سواء في الماضي أو في العصر الحديث إلا أنها كلها ما زالت نسبية ولم تؤد إلى نتائج حاسمة، سواء على المستوى النظري أو في التطبيق العملي، واللغة من أسباب هذا الإخفاق؛ وذلك لأن لغة المجدد ما زالت إلهية، دينية، تاريخية، قانونية، مجردة، وما زالت اللغة التقليدية تستعمل للتعبير عن المعاني الضمنية مما يؤدي إلى نقص في التعبير وفي الإيصال، لن تتحول حركات التجديد المعاصرة إلى حركات جذرية إلا بتجديد اللغة، ولن يتحول الإصلاح إلى ثورة إلا بالتخلي عن اللغة التقليدية، والتعبير عن المضمون الموروث سواء في المعنى أو في الشيء المشار إليه بلغة جديدة تتوافر فيها شروط العصر، وعلى رأسها لغة العلم التي يمكن للآخرين التعامل بها، وتحقيق ما نصبو إليه جميعا من قيام حركات للتجديد، كلية شاملة، جذرية أصلية، تكوينية جادة، لا تهدف إلا لنقل حضارتنا من طور قديم إلى طور جديد. (2)
الاتجاه الإنساني؛ نظرا لأن اللغة الجديدة تتميز بأنها عامة ومفتوحة وإنسانية فإن هذه الخصائص تتأكد أيضا في المعاني الكامنة في اللغة التقليدية وفي المواضع التي تشير إليها والتي يتم التعبير عنها باللغة الجديدة، فيظهر الجانب الإنساني العام الذي هو صفة الوحي، ومحل قصده، إن اللغة التقليدية لن تكون قادرة على التعبير عن روح العصر العامة التي تتجاوز فيها الأفكار والأبنية الاجتماعية حدود الحضارات والأوطان، وأقصى ما تستطيعه اللغة الخاصة هو استعمالها داخل الحضارة ولكن ليس خارجها، اللغة الجديدة هي الوحيدة القادرة على إيصال معاني الحضارة وأبنيتها إلى خارجها، فهي الوسيلة لتجاوز حدود الذات، وبالتالي نستطيع الكشف عما نصبو إليه من الكشف عن الإنسان في تراثنا القديم، وتحقيق مطلبنا المعاصر من الدفاع عن الإنسان والحرص على حياته وكرامته. (3)
الانتقال إلى طور جديد من أطوار الحضارة؛ وذلك لأن هدف ومنطق التجديد اللغوي هو نقل الحضارة كلها من طور إلى طور ، وذلك بالعثور على المعاني الكامنة في اللغة التقليدية والأبنية المثالية المشار إليها، والتعبير عنها بلغة العصر التي تقدمها البيئة الثقافية الحالية، وبذلك تأخذ الحضارة طورا جديدا، ونسير على سنتها منذ نشأتها، وقد تطورت الحضارات الإنسانية، وانتقلت من طور إلى آخر بفعل منطق التجديد اللغوي، فإذا كان اكتشاف العلم وحده مرهونا بنشأة اللغة فإن تاريخ الإنسانية كله مرهون بتجديد اللغة، وبالتالي نكون قد حققنا مسئوليتنا القومية تجاه الحضارة التي تشمل القديم والجديد معا ويكون المحدثون بذلك ليسوا بأقل إثباتا لمسئولياتهم القومية من القدماء. (2) اكتشاف مستويات حديثة للتحليل (الشعور)
ويمكن تجديد الموروث القديم عن طريق كشف مستويات حديثة للتحليل ما زالت مطوية فيه. هناك مستويات عامة مشتركة بين العلوم الموروثة يمكن الكشف عنها وهي في نفس الوقت إحدى مقتضيات العصر، فإذا كان منطق التجديد اللغوي قد أعطى لنا قدرة هائلة على التعبير عن المعاني والأبنية المثالية الموروثة المغلفة باللغة التقليدية فإن المستويات الحديثة للتحليل تعطينا ميدانا خصبا تظهر فيه خصوبة التراث، وأعني بمستوى التحليل المنظور الذي ينظر منه إلى التراث، وهذا لا يتم إلا برؤيا معاصرة له؛ فالتراث يمكن قراءته بمنظورات عدة كلها ممكنة، والتجديد هو إعادة قراءة التراث بمنظور العصر. ليس معنى ذلك أن القراءات القديمة له خاطئة أو أن القراءات المستقبلة له غير واردة، بل كلها صحيحة، ولكن الخطأ هو قراءة التراث من المعاصرين بمنظور غير عصري، هنا يكمن الخطأ، خطأ عدم المعاصرة.