تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8 (2)

من المعنى الضمني إلى لفظ جديد: إذا كان الانتقال من لفظ جديد قائما أساسا على أن اللفظ التقليدي لا يعبر بما فيه الكفاية عن المعنى الكامن فيه ولا يشير بوضوح أو لا يشير تماما إلى الموضوع المراد فإنه في بعض الأحيان يكون اللفظ التقليدي لفظا سلبيا مطلقا ومعيبا في ذاته، ولا يؤدي وظيفته غما في التعبير أو في الإيصال، فيترك تماما ثم يعبر عن معناه الضمني بلفظ آخر جديد يكون أكثر قدرة على التعبير عن هذا المعنى الضمني وإيصاله، فمثلا لفظا الكفارة والحد لفظان سلبيان لأنهما يشيران إلى جزاء، في حين أن الكفارة هو نوع من إعادة بناء شعور الفرد بعد قيامه بفعل سلبي وأثره على نفسه ومعنوياته، فهو نوع من رد الاعتبار لكيان الفرد المثالي، أما الحد فهو إعادة بناء لشعور الفرد بعد قيامه بفعل سلبي عن طريق تأكيده لفعل إيجابي آخر لإثبات حسن النية، فالكفارة اعتراف من جانب الفرد بعمل سلبي وتأكيد هذا الاعتراف بعمل إيجابي، أما الحد فإنه باعث على كشف الموقف نفسه الذي قام فيه الفرد بعمل سلبي على نفسه وعلى الغير، فبعد تحليل المعنى والكشف عن المواضع التي يثيرها اللفظ التقليدي يمكن بعد ذلك اختيار أحسن الألفاظ التي يمكن بواسطته التعبير عن التحليلات التجديدية، وكذلك لفظا المصلحة والمفسدة كأساس للشرع، فإن جلب المصلحة ودفع الضرر يخشى منهما أن تفسر المصلحة والمفسدة تفسيرا نفعيا محضا دون اعتبار للأساس النظري؛ ولذلك يمكن التعبير عن معنييهما بالإيجاب والسلب، وبذلك يحصل المعنى على أكبر درجة من العمومية، وكذلك لفظ «الأمر والنهي» فإنهما يدلان على قوانين مفروضة في صيغة افعل أو لا تفعل، مع أن الموضوع هو تحليل الزمان كموطن للفعل وكمقام له، ثم تحليل استمرار الفعل بتكراره، فيمكن إذن البحث عن لفظ جديد يتحاشى المعنى الذي يثيره اللفظ التقليدي والتعبير عن الموضوع نفسه، وأخيرا فألفاظ «أحكام التكليف الخمسة» ألفاظ سلبية لا تعبر عن معناها ولا توصله أو أنها ألفاظ قانونية توحي بشيء مفروض من الخارج مثل واجب، وحرام، ومكروه، ومندوب، وحلال، مع أن هذه الألفاظ تشير إلى وضع الإنسان في العالم وإلى المستويات المختلفة للسلوك التي تتدرج بين قطب موجب وهو الواجب وقطب سالب وهو الحرام، أما وسط القطبين فهو الحلال الذي يمحى فيه السالب والموجب والذي يفيد بأن شرعية الأشياء في وجودها الطبيعي، أما الواجب فيفيد فعلا ضروريا إيجابيا والحرام يفيد فعلا ضروريا سلبيا، أما المندوب فهو وسط بين الواجب والحلال يفيد فعلا ممكنا إيجابيا والمكروه فعل وسط بين الحرام والحلال يفيد فعلا ممكنا سلبيا،

9

وفي أصول الدين نجد أن لفظي «ثواب وعقاب» لفظان سلبيان لأنهما قائمان على الجزاء والعقاب، فالثواب هو نتيجة إيجابية للفعل والعقاب نتيجة سلبية له، فخلود الفكر أو الفنان أو الشهيد عن طريق عمله هو ثوابه، وفناء الإنسان العادي ونسيان الآخرين له وكأنه لم يوجد هو عقابه؛ ولذلك يحتاج هذا المعنى إلى لفظ جديد يعبر عنه دون لفظي ثواب وعقاب، وكذلك لفظا «الدنيا والآخرة» لفظان سلبيان خاصة اللفظ الثاني لأنه لا يعبر عن شيء محسوس يمكن التحقق منه في الحياة العملية، فالدنيا هي الوجود الزماني للفرد والآخرة هي الوجود كحضور في شعور الآخرين، ومن ثم يحتاج هذا المعنى إلى لفظين آخرين غير اللفظين التقليديين. (3)

من الشيء المشار إليه إلى لفظ جديد: إذا كان الانتقال من لفظ تقليدي إلى لفظ جديد سببه هو النقص النسبي في اللفظ التقليدي في قدرته على التعبير عن المعنى وإيصال الشيء المراد، وإذا كان الانتقال من المعنى الضمني إلى اللفظ الجديد سببه هو النقص الكامل للفظ التقليدي في التعبير عن المعنى والإشارة إلى الموضوع، فإن هذا الطريق الثالث هو الانتقال من الشيء المشار إليه لفظ جديد يبدأ من الشيء نفسه، ثم يعبر عنه بلفظ تلقائي، وأنه من التجاوز أن يسمى هذا اللفظ جديدا؛ لأن ليس له مقابل تقليدي يعادله أو يوازيه، بل نشأ نشأة تلقائية للتعبير عن الموضوع والإشارة إليه، فمثلا ألفاظ مثل «صورة» و«مضمون» و«موضوعية»، ألفاظ جديدة يمكن بواسطتها التعبير عن الهيكل العام لعلم أصول الفقه، فمثلا في دراسة «الأخبار» أي في تحليل منطق التاريخ، تدرس مناهج الرواية باعتبار أنها صور للشعور التاريخي، والمصادر الأربعة للشرع باعتبارها مضمونا له، وأخيرا شروط الرواية والراوي اعتبارها موضوعية له، وكذلك الحال في منطق اللغة، فإن الألفاظ تكون صورة للشعور العقلي، ومباحث العلة تكون مضمونا له، ثم شروط المفتي والمستفتي تكون موضوعيته، وفي دراسة الأحكام يكون الفعل صورة للشعور العملي والقصد يكون مضمونا له ثم تحقق الوعي كنظام مثالي للعالم يكون موضوعيته، وكذلك استعمال لفظ «منهج» للإشارة إلى موضوع التواتر والآحاد باعتبارها مناهج للنقل الشفاهي أو لفظ «قطب» للتعبير عن قطبي الشعور العملي الإيجابي والسلبي أو الواجب والحرام أو لفظ «مستوى» للإشارة إلى الأحكام الخمسة باعتبارها مستويات مختلفة للسلوك، أو بناء نظري للإشارة إلى الأسس العقلية التي يقوم عليها أي موضوع.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٥٩