تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والانتقال من لفظ تقليدي إلى لفظ تقليدي آخر مشابه لن يقدم شيئا؛ لأن المشكلة تظل باقية وهي استحالة التعبير عن المعاني الأولية بالألفاظ التقليدية، وإلا وقعنا في الشروح على المتون عندما كانت تستبدل ألفاظ قديمة بألفاظ أخرى قديمة، فالله والخالق يدلان على نفس المفهوم، والألفاظ العقلية والتقليدية مثل الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، إلى آخر ما هو معروف من أسماء الله كلها ألفاظ تقليدية لا يفيد تبديل أحدهما بالآخر، ولكن الانتقال من «الله» إلى «الإنسان الكامل» يعبر عن كل مضمون الله، فكل صفات الله: العلم، والقدرة، الحياة، والسمع، البصر، والكلام، والإرادة كلها هي صفات الإنسان الكامل، وكل أسماء الله الحسنى تعني آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها، «فالإنسان الكامل» أكثر تعبيرا عن المضمون من لفظ «الله».

7

وعلم أصول الفقه مثلا يدور ثلثه على الرواية سند ومتن، تواتر وآحاد للسند، ونص ومعنى للمتن، ولكن لفظ الرواية له معنى ضيق وهو العنعنة كما في علوم الحديث، ولا يشير إلا إلى طرق الرواية المعروفة في علوم الحديث من تواتر وآحاد ومرسل ومنقطع ومشهور مع أن الرواية هي نص الوحي، ويشير إلى التاريخ باعتباره زمانا للانتشار وإلى المنطق باعتباره منهجا للنقل، فالتاريخ هو العصر ليس فترة محدودة تحديدا تعسفيا بقرن أو بغيره، ولكن بالوجود الزماني للفرد، فالعصر هو الجيل، هناك العصر الأول، والثاني، والثالث، والرابع، أي الجيل الأول، والثاني، والثالث، والرابع، ومناهج النقل من تواتر وآحاد إن هما إلا طبيعة العلاقات بين الرواة من حيث اتصالهم واستقلالهم، فلفظ «منطق التاريخ» يفيد معاني أعم وأعمق، ويشير إلى موضوعات أكثر وأوقع مما يفيد لفظ الرواية.

والثلث الثاني من علم أصول الفقه خاص بمبحث الألفاظ، فهذا التعبير يشير إلى دراسات لفظية محضة متناثرة دون أن يكون بينها ترابط منطقي أو بناء عام، فهناك الحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول دون أن يجمع هذه الثنائيات اللفظية أي جامع بينهما، أما لفظ «منطق اللغة» فإنه يشير إلى إمكانية دراسة هذه القسمة كلها في منطق واحد باحثا عن دلالتها ومعناها، فالحقيقة والمجاز يشيران إلى موضوع التصوير الفني باعتباره أسلوب الوحي في الخطاب، والمحكم والمتشابه يشيران إلى ثنائية المعنى للفظ الواحد، والظاهر والمؤول يشيران إلى إمكانية فهم المعنى على مستويات مختلفة من العمق، والمجمل والمبين يشيران إلى ثنائية المعنى مع اختيار أحدهما كأساس نظري للسلوك، والخاص والعام يشيران إلى مبحث لفظي أو منطقي أو فلسفي دون أن يشيرا إلى موضوعهما وهو البعد الفردي داخل اللغة، وجود الإنسان والجماعة، الأنا والآخرون داخل الخطاب.

والثلث الأخير من علم أصول الفقه هو الأحكام، ولفظ «الأحكام» يفيد قضايا عقلية خاصة بالمنطق أو قانونية خاصة بالقضاء، ولا تشير إلا إلى هذه القضايا الصادرة إما لوجودها المنطقي أو لوجودها اللغوي، وفي بعض الأحيان إلى تطبيقاتها الفعلية، في حين أن هذا اللفظ في الأصول يفيد الفعل، ويشير إلى «منطق السلوك»، فدراسة الأحكام باعتبارها منطقا للسلوك تثير كل معاني المنطق العملي، وتبرز موضوعاته الخاصة بالقصد والنية، والنظر والعمل، والباعث والمانع ... إلخ، وكذلك لفظا «مقاصد الشارع» يفيدان مقاصد الوحي وهي المحافظة على الوجود الإنساني في شتى صوره، فالابتداء هي الحياة، والأفهام تشير إلى العقل، والتكليف يشير إلى الفعل، والامتثال يدل على الدعوة في الحياة، وكذلك لفظا «أحكام الوضع» لا يفيدان ولا يشيران إلى شيء لأنه مصطلح يعبر عن وصف موضوعي لميدان السلوك أو موقف معين للفعل، فهناك السبب وهي الإرادة، والشرط وهي القدرة، والمانع وهي العقبة أو الصعوبة، والعزيمة والرخصة وهما صورتا الفعل المطلق والنسبي أو المثالية والواقعية، وأخيرا الصحة والبطلان أي صدق الفعل أو كذبه من ناحية الموقف كله وعلى وجه الخصوص من ناحية النية.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٥٨