10
ويعبر لفظ «الإنسان الكامل» عن علم التوحيد وعلم التصوف معا، فمع أن علماء أصول الدين يتحدثون عن الله ذاته وصفاته وأفعاله، فإنهم في الحقيقة يتحدثون عن الإنسان الكامل، فكل ما وصفوه على أنه الله إن هو إلا إنسان مكبر إلى أقصى حدوده، وكذلك الصوفية عندما عبروا عن ذلك بأنفسهم ووصفوا الإنسان الكامل على أنه الإنسان المعتمد بالله،
11
وتأتي معظم هذه الألفاظ من اللغة العادية الشائعة تلقائيا بلا تكلف أو تعمد، وقد نشأ علم أصول الفقه نشأة تلقائية عندما استعمل الشافعي ألفاظ العام والخاص، ونشأ علم أصول الدين نشأة تلقائية بظهور ألفاظ التجسيم والتشبيه والتنزيه والجبر والأفعال، والعقل والنقل، والوعد والوعيد، والحسن والقبيح، والإيمان والعمل، والإمامة والشورى والتعيين. (1-4) مخاطر واشتباهات
ويثير منطق التجديد اللغوي عدة تحفظات لا في شرعيته بل في نتائجه؛ وذلك لأنه قد يتعرض إلى مخاطر حقيقية تجعله مجرد عبث وتلاعب بالألفاظ لا يغير شيئا، وأهم هذه المخاطر هي: (1)
التعالم والحذلقة بالمفاهيم الجديدة دون فهم لمضمونها ودون تحقيق لمصادرها ودون معرفة عما إذا كان يمكن استخدامها بدلا من اللفظ التقليدي المعيب أو للتعبير عن المعنى الكامن للفظ التقليدي أو للإشارة إلى الموضوع نفسه الغائب تماما في الألفاظ والمصطلحات التقليدية، فالمتعالم أو المتحذلق ليس باحثا ولا مجددا، بل مراهق فكري تستهويه بعض الألفاظ الجارية على الألسن، خاصة في أجهزة الإعلام والمترجمات ويستعملها مدعيا الثقافة الحديثة أو التجديد للقديم، ويوهم العلم الحديث بالجرأة على القديم وهو لا يعلم هذا ولا ذاك، ولكن يخفف من هذه الخطورة أن القائم بالتجديد هو عالم أمين لا يبغي حذلقة ولا يدعي علما، بل إنه ذو شعور صادق يحلل تجاربه المعاصرة التي يتحد فيها القديم والجديد معا ويعبر عنها باللغة المتداولة، لغة العصر، وتظهر الحذلقة أو التعالم إلا في غياب العمل الرصين الجاد. (2)
التعصب المذهبي الذي يؤدي إلى نوع من التعسف في عمليات التجديد اللغوي عن طريق اختيار نوع واحد من الألفاظ المغلقة للتعبير بها عن معنى واحد مما يشير إليه اللفظ التقليدي كي يطبع الفكر الجديد بطابع مذهبي خاص، وبذلك تفقد اللغة الجديدة مميزاتها الأساسية وهي أنها ألفاظ عامة وإنسانية مفتوحة، وتصبح ألفاظا خاصة بمذهب معين ومغلقة على فكر خاص وتصدق على ميدان معين، ويتم هذا عن نقص في الوعي بالقديم أو عن شك فيه أو عن إنكار له أو عن إيمان به على الإطلاق ، والباحث من هذا النوع يكون غير قادر على التراث والتجديد؛ لأنه لا يؤمن بالتراث ولا يقف منه موقفا محايدا خالصا على الأقل، بل ولا تتوافر فيه شروط الباحث أي باحث لأنه بدأ بأفكار مسبقة ومواقف مبتسرة وهي انتسابه إلى مذهب فكري معين، كما أنه لا يؤمن بالتجديد، فالتجديد بالنسبة له هو استعارة الجديد وهو مذهب الفكر الذي ينتسب إليه، والذي يخفف من هذا الخطر أن القائم بالتجديد لا ينتسب إلى مذهب فكري معين ولا عقيدة فلسفية خاصة بل هو الشعور المحايد يعي الأفكار كلها في وقت واحد دون ما تحيز أو ميل أو هوى، وهو شعور عام يستطيع أن يرى كل المذاهب الفكرية وقد انضوت تحت بناء فكري واحد كوجهات نظر متعددة لحقيقة واحدة أو كتفسيرات مختلفة لموضوع واحد، فحياد الشعور وشموله هما الضمان. (3)
سوء النية وهو تطرف في التعصب المذهبي إلى أقصى حد، يكون الباحث على وعي بذلك، ويقوم به مع سبق الإصرار والتعمد، يعبر الباحث عن المعاني القديمة بألفاظ جديدة من مذهب آخر لتحويل التراث كله من طابع إلى طابع آخر تعصبا أو هادما التراث كله يريد حاقد بيان سطحيته أو زيفه، الباحث هنا ليست لديه الشجاعة الأدبية الكافية لرفض القديم وهو موقفه الشعوري والدعوة للجديد وهو موقفه المستتر تملقا للجماهير أو خوفا من السلطة أو جريا على العادة وعلى أسلوب العصر، إن لوي التراث بطريقة تعسفية لا يفيد شيئا لأن التجديد على هذا النحو لن يكون مقروءا لا من القدماء ولا من المحدثين، ويكون عملا متحجرا لا ينبت منه لأنه مجتث الجذور ولا يزيد عن كونه هوامش حضارية ودوائر منعزلة لا أثر لها، ويكون الأثر للتراث القديم أو لتجديد التراث الذي يقوم على حسن النية، وهذه ليست فقط قيمة خلقية بل هي شرط أساسي للمعرفة وأساس للعلم، ويخفف من هذا الخطر أن الباحث يبدأ بالتراث كقيمة وبالتجديد كقيمة، ومن ثم فهو لا يدافع عن قيمة ضد قيمة أخرى ولا يبقي على التراث باسم التجديد أو يبقي على التجديد باسم التراث، ولكنه يقوم بتجديد التراث أي ضم قيمة إلى قيمة وإلا وقعنا فيما نحن فيه الآن من محاولات للعقلنة من الخارج، والتي تسقط على التراث مقاييس من خارجه.