أن تكون اللغة إنسانية لا تعبر عن مقولة إنسانية كالنظر، والعمل، والظن، واليقين، والقصد، والفعل، والزمان، والباعث، فهي كلها ألفاظ تشير إلى جوانب من السلوك الإنساني لواقع في الحياة اليومية، يقابلها كل إنسان ويستعملها مهما كانت عقيدته أو مذهبه أو تياره الفكري، أما ألفاظ القديم، والحادث، والجوهر، والعرض، والوجود، والماهية، والجهة، والإضافة، فكلها ألفاظ وإن كانت عقلية عامة إلا أنها لا تستعمل لوصف سلوكنا اليومي بالإضافة إلى أن طابعها المجرد قضى على الموضوع ذاته، واللغة هي تعبير وإيصال للمعنى وليست قضاء عليه ومحو الشيء المشار إليه، أما اللغة التي لا تعبر عن مقولات إنسانية مثل «الله» والجواهر المفارقة، والشيطان، والملاك، فهي لغة اصطلاحية عقائدية تشير إلى مقولات غير إنسانية إلا إذا أولناها وفسرناها وأعطيناها مدلولات إنسانية، فالله يصبح هدف الإنسان وغايته ورسالته ودعوته في الحياة، والشيطان يصبح هو المعارض الذي يمثل الغواية والخطأ والحافز، والملاك يصبح هو ما يرجوه الإنسان من طمأنينة وخير ورحمة وأمن واستقرار ودعة، وبالتالي يمكن نقل عصرنا من مرحلة التمركز حول الله وهي المرحلة القديمة إلى مرحلة التمركز حول الإنسان وهي المرحلة الحالية، كما يمكن اكتشاف الإنسان الغائب في تراثنا القديم والممحو في وجداننا المعاصر، والإنسان كامن في تراثنا القديم ولكنه مغطى ومستور، وعصرنا الحالي هو عصر الإنسان، وبالتالي تكون مهمة عصرنا إبراز المستور، والكشف عن الإنسان، وتلك هي مهمة «التراث والتجديد» في أول محاولاته من أجل إعادة بناء علم أصول الدين على أنه «علم الإنسان». (6)
أن تكون لغة عربية وليست مستعربة أو معربة عن طريق النقل الصوتي للغات والألفاظ الأجنبية بدعوى قصور اللغة العربية عن الإمداد بمفاهيم حديثة تعبر عن مضمون العصر واكتشافاته، وقد وقع إخواننا الشوام والمغاربة في هذه الألفاظ المستهجنة بدعوى التحديث، والخطورة هي جعل الحديث من الخارج وليس من الداخل، وبفضل وسائل دخيلة وليس عن طريق تطور طبيعي لثقافتنا القديمة، فاللفظ الأجنبي قد يكون له لفظ عربي يعبر عن مضمونه وإن كان مختلفا عنه في الشكل، صحيح أن في تراثنا القديم عديدا من الألفاظ المستعربة مثل موسيقى، وأنالوطيقا، وأوثولوجيا، ولكن ذلك قد حدث في أوائل عصر الترجمة، ولكن بعد أن استقرت المعاني خرجت الألفاظ العربية لتعبر عنها مثل الألحان، والتحليلات، والإلهيات، والموضوع ليس شكليا صوريا بل يتعلق بالمضمون، فاللغة هي الثقافة ونشر اللغة بألفاظها هو في نفس الوقت نشر لثقافة، والألفاظ المستعربة دعوة إلى تبني الثقافة الدخيلة وترك الثقافة الأصيلة وكأن مفاتيح العلوم والفكر والثقافة هي عند الثقافات الأخرى وليست في ثقافتنا الخاصة؛ لذلك حرص «التراث والتجديد» على تجنب الألفاظ المستعربة من أجل المحافظة على الأصالة اللغوية، فهي شرط التعبير عن أصالة الفكر. (1-3) اللفظ والمعنى والشيء
ويمكن إخضاع التجديد اللغوي إلى منطق محكم يقوم على التعبير المطابق للمعنى والذي يقوم بوظيفته في الإيصال، فالمنطق اللغوي يشمل جانبين: جانب التعبير وجانب الإيصال، وهما لا ينفصلان بل يشيران معا إلى حياة اللفظ ودورانه بين المتحدث والسامع، ويمكن وصف هذا المنطق لتجديد اللغة بطرق ثلاث: إما بالانتقال من اللفظ التقليدي إلى معناه، وإما بالانتقال إلى معنى اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد، وإما بالانتقال من الشيء نفسه الذي يشير إليه اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد. (1)
من اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد: نظرا لنقصان اللغة التقليدية في التعبير عن كل محتويات اللفظ من معان أصلية وفرعية، أو أشياء تشير إليها هذه المعاني، ونظرا لأن هذه المعاني وهذه الأشياء تكون دائما منطوية على نفسها داخل اللفظ التقليدي الذي يفقدها حيويتها وجدتها بل وواقعيتها ووجودها فإنه يمكن الانتقال من لفظ تقليدي إلى لفظ جديد له قدرة أكثر على التعبير وعلى إظهار المعاني وعلى الإشارة إلى الأشياء نفسها، والألفاظ التقليدية ليست معيبة في ذاتها باعتبارها ألفاظا أي ليست إلهية أو دينية أو تاريخية أو تقنينية أو مجردة، كما أنها ليست محدودة مغلقة صورية، بل هي ألفاظ عامة، مفتوحة، عقلية، إنسانية، تشير إلى واقع حسي مباشر ولكن ليس بما فيه الكفاية؛ لأنها لا تعبر عن مضمونها ولا توحي بالأشياء التي تشير إليها حتى ولو كان اللفظ التقليدي صالحا للاستعمال مثل لفظ «الإجماع» أو «الاجتهاد»، فإنه نظرا لأنهما أصبحا يعبران عن مذاهب فقهية تاريخية محدودة ويشيران إلى بيئة ثقافية معينة بل وإلى جدل ومهاترات يتحول مضمونها إلى قضايا، فإنه من المستحيل استعمالها من جديد بعد تجريدها من كل ما علق بها من تاريخ جدل طويل، أما لفظ الخبرة بين الذوات أو «التجربة المشتركة» فهو لفظ معاصر يثير وجدان المعاصرين، ويدل على نفس مفهوم اللفظ القديم دون أن يثير عيوبه، وكذلك لفظ «شرعي» ولو أنه لفظ عقلي، فالفكر يشرع للواقع، إلا أنه ما زال لفظا دينيا، وقانونيا، وتاريخيا، ويمكن التعبير عن معناه بلفظ «قبلي» وهو المعطى السابق، فهو لفظ أعم، ويركز المعنى في اتجاه واحد وهو الطابع القبلي للوحي، على الأقل من حيث مصدره لا من حيث باعثه أو محك صدقه؛ لأن باعثه ومحك صدقه هو الواقع.