تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن تكون اللغة عقلية حتى يمكن التعامل بها في إيصال المعنى، وأية لغة قطعية لن تعبر عن شيء لأنها مغلقة على نفسها، ولا تكون لغة اصطلاحية لأن هذه هي ما اصطلح عليه الناس. واللغة القطعية لغة توقيفية خالصة، إما أن تقبل أو ترفض، ولكن لا يمكن تغييرها أو إعطاؤها معاني جديدة. اللغة العقلية هي التي يفهمها كل الناس بلا شرح أو تعليق أو سؤال أو استفسار، بل يفهمها العقل بطبيعته، ويتعامل معها كأنها منه؛ فالعمل، والحرية، والشورى، والطبيعة، والعقل، كلها ألفاظ عقلية في علم التوحيد لا يمكن للعقل أن يرفضها، أما ألفاظ الله، والجنة، والنار، والآخرة، والحساب، العقاب، والصراط، والميزان، والحوض، فهي ألفاظ قطعية صرفة لا يمكن للعقل أن يتعامل معها دون فهم أو تفسير أو تأويل؛ لذلك سماها تراثنا القديم السمعيات وأخرجها من العقليات، لذلك لا يمكن استعمالها استعمالا شائعا عاديا مثل لغة الخطيئة، والتجسد، والخلاص، والفداء، والسر، والشخص، والأقنوم. صحيح أن تراثنا الإسلامي أقل إيغالا بكثير من أي تراث آخر مسيحي أو يهودي أو بوذي، وأن كثيرا من الألفاظ السياسية المعاصرة لترقى إلى الكهنوت، ومن ثم استحال أيضا استعمالها مثل: تحالف قوى الشعب العامل، الاشتراكية، الاتحاد الاشتراكي، والرأسمالية الوطنية منذ عشر سنوات، والإيمان، وسيادة القانون، وأخلاق القرية هذه الأيام، وكما هو الحال أيضا عند بعض الماركسيين المحدثين الذين لا يعبرون عن فكرهم إلا بمقولات الجدل، والكيف، والكم، والتناقض، والسلب، والنفي، والمادية، والتاريخية، والصراع، والطبقات، وملكية وسائل الإنتاج، ونمط الإنتاج، والقيمة، وفائض القيمة ... إلخ، والنتيجة هي نفور الشعب من قاموس السياسة؛ فمصطلحاته القديمة بالرغم مما فيها من عيوب يدركها المستنيرون، أكثر تعبيرا عن أشواقه وتطلعاته. (4)

أن تكون اللغة لها ما يقابلها في الحس والمشاهدة والتجربة حتى يمكن ضبط معانيها والرجوع إلى واقع واحد يكون محكما للمعاني ومراجعا إذا تضاربت وتعارضت؛ فألفاظ الجن والملائكة والشياطين، بل والخلق والبعث والقيامة كلها ألفاظ تجاوز الحس والمشاهدة، ولا يمكن استعمالها لأنها لا تشير إلى واقع، ولا يقبلها كل الناس، ولا تؤدي دور الإيصال، وكذلك ألفاظ العقل الفعال، والعقل المنفعل، والعقول العشرة، وأرواح الأفلاك، والروح؛ كلها ألفاظ لا تشير إلى أشياء في الواقع وتجسيمات لمعاني إنسانية خالصة يمكن التعبير فيها بلغة عقلية تشير إلى شيء موجود بالفعل في الحس والمشاهدة. وكذلك ألفاظ عين الله، ويد الله، وقلب الله ووجه الله، وصعود الله، ونزوله، وجلوسه، وقيامه؛ كلها ألفاظ لا يمكن استعمالها لأنها أقرب إلى الصور الفنية منها إلى ألفاظ إخبارية. وكذلك الميزان والصراط والأعراف والحوض ومنكر ونكير وكل ما أطلق عليه العلماء القدماء السمعيات لا تشير إلى حس ومشاهدة إلا عن طريق تأويل معاني الألفاظ واستعارة الألفاظ الحسية للدلالة بها على معان إنسانية. وإن اللغة بطبيعتها من خلال المعاني الاشتقاقية للألفاظ تنشأ من الحس وتخرج من الواقع، ولا يوجد معنى للفظ إلا وقد نشأ أولا من التربة والطين والأرض، ويظل هذا المعنى هو أساس المعنى الاصطلاحي، وقد بدأ الأصوليون تجديد معاني مصطلحاتهم بالبحث عن المعنى الاشتقاقي للفظ؛ فهو المعنى الأول والأصيل والذي يكون ركيزة المعنى الاصطلاحي، ولا يكون المعنى الاصطلاحي في الحقيقة إلا تصحيحا للمعنى الاشتقاقي ونقله من التربة والأرض إلى العلاقات الإنسانية؛ فالزكاة في أصلها النماء، والصلاة في أصلها العلو، والشهادة أصلها الحس والواقع والرؤية، وبالتالي يمكن حماية فكرنا المعاصر من جعبة ألفاظه التي تدل على شيء كما يمكن بذلك القضاء على انعزالية الفكر وعزلة المفكرين. (5)

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٥٦