تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللغة التقليدية إذن قاصرة عن أداء وظيفتها في إيصال المعاني التي يمكن للباحث أن يعبر عنها للآخرين، فإذا بدأ الباحث برؤية الشيء، وفهمه لمعناه ثم وضعه في اللفظ المناسب للتعبير فإن السامع يبدأ بسماع اللفظ ثم يتحدد معناه ثم يرى الشيء الذي رآه الباحث أولا، فإذا كان تجديد اللغة مهما بالنسبة للباحث بإعطائه المعنى وإشارته إلى الشيء، فإنه مهم أيضا بالنسبة للآخر باستقباله المعنى ورؤيته للشيء. (1-2) مميزات اللغة الجديدة

واللغة الجديدة تحاول أن تتلافى عيوب اللغة التقليدية التي تعوق التعبير والإيصال وتحاول أن تستبدل بخصائصها خصائص أخرى يمكن بواسطتها سهولة التعبير عن المضمون ودقة إيصال المعنى المطلوب، وأهم هذه الخصائص هي: (1)

أن تكون اللغة الجديدة عامة، بل وأكثر درجات اللغة عموما حتى يمكن بها مخاطبة كافة الأذهان؛ فمثلا لفظا عام وخاص في أصول الفقه لفظان عامان يمكن لكافة الأذهان فهم المراد منهما، بل ومناقشة المضمون واقتراح تغيير أحدهما أو تغييرهما تغييرا كاملا. وكل مصطلحات أصول الفقه - خاصة فيما يتعلق بمناهج الرواية أو بمناهج اللغة ألفاظ عامة - يمكن أن تنطبق على أي تراث وعلى أي نص ديني.

6

وفي أصول الدين، النظر والعمل لفظان عامان يمكن لكل الأفهام أن تحصل على المراد منها، وكذلك ألفاظ الحرية والاختيار، العقل والنقل، كلها ألفاظ عامة لا تخص حضارة بعينها، وتعبر عن أكبر قدر من العمومية لأكبر عدد ممكن من الناس، بل إن من خصائص لغة العلم المحكم هي أنها تكون عامة، حيث يمكن العلماء في أي مكان وفي أي عصر التعامل بها، بذلك يفضل العلم اللغة الرياضية والرموز. أما مصطلحات الصوفية فإنها تحتوي من قبل على درجة كبيرة من العمومية نظرا لأنها تعبير مباشر عن الوجدان، والوجدان واحد عند كل الناس، ومن ثم تصبح عملية «التراث والتجديد» عملية جماهيرية وثقافية وطنية يقرؤها الجميع وتسد فيهم النقص النظري في فكرنا المعاصر، كما تستطيع أن تصوغ لغة واحدة يستعملها المثقفون بصرف النظر عن تخصصاتهم ومواقفهم الفكرية، وتكون اللغة المشتركة، وكثيرا ما ضاع الفكر من أجل خصوصية اللغة كما هو الحال في الفكر المسيحي الذي يصر على استخدام لغته الخاصة في العقائد، وكثيرا ما ثبت الفكر بفضل عمومية اللغة كما هو الحال في بعض جوانب تراثنا القديم. (2)

أن تكون اللغة الجديدة مفتوحة، تقبل التغيير والتبديل إما في مفاهيمها أو في معانيها أو حتى في وجودها، وإما بإبقائه أو بإلغائه كلية. اللغة المفتوحة ليست جامدة محددة، بل تقبل إضافات وتغييرات كل خبرة إنسانية فردية أو مشتركة، فيمكن النقاش مثلا في العام والخاص هل هما الكلي والجزئي المنطقيان أم هما الكلي والجزئي في الفلسفة أم هما مقولتان سلوكيتان. فالخاص خطاب للفرد والعام خطاب للناس جميعا، ويمكن النقاش أيضا في علم أصول الدين إذا كان النظر والعمل وجهين لشيء واحد أم شيئين مستقلين وإذا كانا يوازيان اليقيني والظني أم لا؟ أو التساؤل عن النقل والعقل هل هما شيء واحد أم شيئان مختلفان، وإلى أي حد هناك اختلاف، وما هي وظيفة كل منهما؟ وكذلك يمكن التساؤل في الفلسفة عن قسمة الوجود إلى واجب وممكن، أو إلى جوهر وعرض، أو إلى موجود بذاته وموجود بغيره، وإلى أي حد يمكن قبول هذه القسمة أو رفضها؟ وفي التصوف يمكن أيضا الاستفسار عن معنى الأنس، والوجد، والقرب، والبعد، والهجر، والوصال ... إلخ، ومناقشة التجارب النفسية التي وراءها، ومن ثم يمحى خطر التعقيد اللغوي السائد في فكرنا المعاصر، والتشدق بالألفاظ والمفاهيم الصعبة، وكلما ازدادت اللغة صعوبة عظم الفكر عمقا، وصرخ الباحث أن اللغة العربية غير طيعة للتعبير عن هذه المفاهيم الحديثة والتصورات العصرية والعلوم اللسنية كما يحدث أحيانا عند إخواننا الباحثين الشوام والمفكرين المغاربة لزيادة في تغربهم ونقص في تعربهم. (3)

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٥٥