واللغة في تراثنا القديم لغة تقنينية، تضم الوجود وتضعه في قوالب، فهناك قانونية المصطلحات في أصول الفقه، والتقسيمات العقلية في أصول الدين والفلسفة على السواء، وكلها تبدأ بعبارات مثل «يجب على» أو «من الواجب أن»، وكأن الحياة يمكن أن يفرض عليها قانون من الخارج، وكأن الإنسان ما هو إلا مستقبل لتشريعات مفروضة عليه من كل علم، باستثناء أصحاب الطبائع الذين أرادوا فهم كل شيء على أنه طبيعة، لقد كانت اللغة القديمة على اتفاق تام مع نشأة الدين، وتلائم طبيعة الظروف التي نشأت فيها العلوم التقليدية وتطورت، فالدين أتى مشرعا للواقع، ومصدرا للأحكام ولكن لغة التقنين لا تصح لكل عصر، فعصرنا مشابه لعصر الوحي القديم وقت نزوله، واقعنا مشكل ينادي على حل، واقعنا مأزوم يبغي الفرج، ولا يأتي ذلك إلا بإطلاق قواه، فالواقع يقتضي فكرة كما اقتضى الواقع القديم الوحي، صحيح أن تقنين الثورة من قاموسنا المعاصر، ولكنه لا يعني فرض قوانين على الواقع بقدر ما يعني تنظيم ما يفرضه الواقع من تغير ثوري حتى لا يجهض أحد ما هذه التغيرات أو يستغلها لحسابه الخاص، «فالواجب» مثلا لفظ مستعمل في أصول الدين، النظر أول الواجبات، ومستعمل أيضا في أصول الفقه، الواجب أول الأحكام الخمسة: الواجب، والحرام، والمندوب، والمكروه، والمباح، فهي ألفاظ توحي بأن الإنسان ما هو إلا آلة للتطبيق، وأنه فاقد حريته، في حين أن التعبير بألفاظ أخرى مثل الطبيعة، والانطلاق، والازدهار فيها تأكيد للذات، وإثبات لحريتها، وتحقيق لوجودها. (5)
واللغة في تراثنا القديم لغة صورية مجردة، فهناك تقسيمات عدة للوجود إلى ممكن، وواجب، ومستحيل، وجوهر، وعرض في علم أصول الدين وفي علوم الحكمة، وهناك أيضا تفريعات عدة يفتقد الموضوع خلالها، وفي علم أصول الفقه هناك تقسيمات عدة لأنواع العلل إلى موجبة، وقاصرة، ومؤثرة، ومناسبة، وملائمة، دون أن ندري ما هو الواقع وراءها، وفي التصوف هناك تقسيمات أخرى للطبيعة ولمقولات الطبيعة، ولكنها تتحول كلها إلى تجريد خالص فتفقد اللغة المستعملة مباشرتها وواقعيتها وإنسانيتها، أما ألفاظ التاريخ، والجماهير، والأنا، والآخر، والإنسان، والعالم، والتقدم، والتخلف، فهي أكثر إيحاء للمعاني، وهي تمثل أيضا منطقا عمليا أو جدلا تاريخيا أو بناء اجتماعيا، وهو أسلوب العصر ولغة الجيل، إن التجريد ينشأ بعد نشأة العلم، كموضوع وكمنهج وكبناء، ونحن الآن بصدد إعادة بناء العلوم من حيث النشأة، ومن ثم فمستوى التجريد في العلوم لا يلائم مرحلتنا الحالية في إعادة بنائنا للعلم ووصف نشأته وتكوينه من جديد. (6)
واللغة التي يرفضها العصر حتى ولو كانت لغة قديمة لا يمكن استعمالها من جديد، فمهما أمكن إبراز معنى الخلافة أو الإمامة من شورى، وبيعة، واختيار إلا أن اللفظ لا يستعمل نظرا للشحنات التاريخية، والخلافات المذهبية التي تشع منه، فلو حاول أحد الآن عمل نظرية في الخلافة لوجد آذانا صماء، كما لو حاول أحد أن يعمل نظرية في التجسيم أو في التشبيه لوجد عداء وتكفيرا، كما لو استعمل أحد لفظ الإلحاد «والكفر» لكان أشبه بمن يرطم رأسه بصخر، ويقف الهدف من «التراث والتجديد» وهو عمل ثقافة وطنية يمكن التعبير عنها بلغة يقبلها الشعور العامي، فالألفاظ التي يتقبلها العصر هي التي يمكن استعمالها، بل إن في العصر ألفاظا تجري مجرى النار في الهشيم مثل: الأيديولوجية، التقدم، الحركة، التغير، التحرر، الجماهير، العدالة، وهي الألفاظ التي لها رصيد نفسي عند الجماهير، والتي يمكن أن تعبر عن ثقافة وطنية يمكن تكوينها، لا يعني ذلك تملق الجماهير أو اللعب على أوتارها الحساسة، بل تعني أخذ العرف في الاعتبار، والمعنى العرفي جزء من معنى اللفظ عند علماء اللغة القدماء، كما جرت العادة على نقل العرف من المعنى إلى اللفظ، ويعني أيضا تطويع اللغة في نشأتها واختيار ألفاظها إلى متطلبات الواقع حتى لا تقع في انعزالية الثقافة بصورية اللغة.