تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

وكذلك لفظ «الإسلام» مشحون بعديد من المعاني كلفظ «دين» فإن أمكن، من الناحية النظرية على الأقل التعبير به عن معنى فإنه لا يمكن ذلك من الناحية العملية، وذلك لأنه أصبح هو أيضا محملا بما لا حصر له من المعاني التي قد تتفق أحيانا مع المعنى الأصلي للفظ، وليس من الضروري أن تقوم هذه المعاني في ذهن المتعلم أو السامع، ولكن يكفي أن تكون شائعة في الجو الثقافي كي يستحيل بعدها استعمال اللفظ للتعبير به عن المعنى الأصلي وإيصاله، فهو أساسا مصطلح يشير إلى دين معين وإلى ميدان معين وليس لفظا عاما يدل على معنى مستقل عن كل ميدان مثل: حرية، تحرر، مساواة، إنسانية، وحتى لو استعمل اللفظ ابتداء من معناه الاشتقاقي فإن معناه التاريخي يكون أقوى وأمثل للأذهان، ومن الصعب تجريد الذهن وتخليصه من المعنى الشائع وإلزامه بالمعنى الاشتقاقي الأول، فلفظ «التحرر» هو اللفظ الجديد الذي يعبر عن مضمون «الإسلام» أكثر من اللفظ القديم، فالذي يسلم لله يتخلص أولا من كل ما يكبل الإنسان من القيود وهو فعل التحرر الذي يبدأ بالنصف الأول من الشهادة «لا إله»، فإذا تحرر الإنسان من القيود فإنه يقوم بالفعل الثاني وهو الإثبات «إلا الله» فيسلم لله؛ فالإسلام هو تحرر الشعور الإنساني من كل قيود القهر والطغيان مادية أو سياسية،

5

ولفظ «السلام» أيضا يعبر أكثر عن مضمون «الإسلام» من اللفظ ذاته؛ لأن الإسلام هو الذي يحقق السلام الداخلي للإنسان بعد تحرره من كل قيود القهر والاستعباد، ثم هو الذي حقق المجتمع الواحد الذي لا طبقات فيه ولا استغلال ولا احتكار؛ ومن ثم ينشأ السلام في المجتمع، وهو أيضا الذي نظم علاقات الأمم، بعضها مع البعض الآخر على أساس من السيادة المتبادلة وأحلاف السلام. (3)

واللغة في تراثنا القديم لغة تاريخية تعبر عن وقائع تاريخية أكثر من تعبيرها عن الفكر، فهناك الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية في أصول الفقه، والمعتزلة والأشاعرة والخوارج والشيعة في أصول الدين، والكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد في الفلسفة، ورابعة والحسن البصري والحلاج والغزالي وابن الفارض والسهروردي وابن عربي وابن سبعين في التصوف، وكل هذه الألفاظ لا تشير إلا إلى وقائع تاريخية، وأشخاص أو حوادث أو مناطق جغرافية، وليست مفاهيم علمية لها دلالتها المستقلة، صحيح أن العلوم العقلية القديمة نشأت في أحضان التاريخ وفي بيئات جغرافية، وحسب مقتضيات الظروف، فارتبطت العلوم بأسمائها، وارتبطت العلوم بأسماء من اشتغلوا بها، والتيارات الفكرية بأسماء من اعتنقوها، وإذا كان تراثنا القديم قد وقع بذلك فيما وقع فيه التراث الغربي فإن مهمتنا هي القضاء على تشخيص الأفكار، فالأفكار لا أسماء لها، بل هي أفكار عامة شائعة في كل زمان ومكان، وتظهر في كل حضارة، ونحن نعاني من نسبة الأفكار إلى أشخاص، ونخلط بين الصراع الفكري والصراع الشخصي، وينقلب الحوار بين الأفكار إلى صراع بين الأشخاص، وإلا لكان الإسلام محمديا، والعقل معتزليا، والنقل أشعريا، والطبيعة نظامية أو جاحظية والشورى سنية، إن التشبيه والتنزيه لا شأن لهما بالأشاعرة والمعتزلة بل هما موضوع شعوري مستقل، وقد اقترب تراثنا القديم من ذلك عندما ضم كل مجموعة من العلماء تحت الفكرة التي يدافعون عنها فهناك «أصحاب الطبائع» معمر الجاحظ وثمامة والنظام ضمن أهل التوحيد والعدل وهم المعتزلة، وهناك المشبهة والمعطلة، والمجسمة، والقدرية، والمرجئة، والإمامية، والشيعة، والمعتزلة، والخوارج، وأهل السنة ... إلخ، فالفكرة هي الأساس، ومهمتنا نحن إبراز استقلال الفكرة عن قائليها وعن الأماكن التي ظهرت فيها مثل الحرورية، وعن الحوادث التاريخية التي بدأت فيها مثل المعتزلة والشيعة والخوارج، فيبقى لدينا التجسيم والتشبيه والتعطيل، والقدر، والإرجاء، والإمامة، ومهمتنا إحياء الأفكار من منازل الموتى. (4)

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٥٣