3 (ب)
من المستحيل تعلق لفظ محدود بحروفه وتركيبه وتكوينه في الجملة ووضعه في الصياغة ودلالته على معنى معين من مؤلف معين لقارئ في عصر محدد ليدل على معنى مطلق غير محدود ولا يماثله أي تصور محسوس يند عن حدود اللغة والتركيب والصياغات ويشمل كل العصور والأوطان، وجود مطلق أزلي أبدي إلى آخر ما يقال دائما في تصور الله بعد سماع لفظ «الله»، من المستحيل منطقيا التعبير بالأكثر تحديدا عن الأقل تحديدا أو بالأقل وجودا على الأكثر وجودا، إنه ادعاء بشري ونقص في الأمانة أن يقول كاتب واحد إنه يعني بلفظ «الله» ما يريد إلا عن طريق التقريب، ولماذا استعملت الصور الذهنية إذن؟ ولماذا اختلفت من عصر إلى عصر، إذا كانت اللغة هي مجرد حامل للمعنى، والمعنى مستقل، فإنه يمكن التعبير عنه بأي لفظ آخر من أي عصر آخر ومن أي بيئة ثقافية أخرى، فلفظ «الله» لا يساوي معناه بأي حال، صحيح أن اللفظ ورد في الوحي ولكن الإشكال هو في فهم اللفظ في عصر معين لجماعة معينة من أجل الحصول على معنى حضاري للفظ، وما زال علماء أصول الدين يحاولون فهم مدلول اللفظ حتى الآن دون الوصول إلى مدلول واحد يتفق عليه الجميع، بل إن الوحي نفسه موجود في زمان ومكان معينين، وبالتالي فهو أيضا قد تحول في لحظة الإعلان إلى حضارة، أي إلى مفهوم بشري يختلف باختلاف البشر. (ج)
هناك استحالة في تحديد جامع مانع للفظ إذ إن التعريف بطبيعته قائم على التحديد، والمعنى المراد التعبير عنه والموجود المراد الإشارة إليه قائم على الإطلاق وليس على التحديد، والتحديد قائم على أساس قطع جزء من الواقع ثم تصويره والإشارة إليه عن طريق التصور، أما الإطلاق فلا يمكن تحديده على هذا النحو، ولما كان «الله» لا يمكن تصوره فكيف يمكن التعبير عنه بلغة قائمة على التصور؟ (د)
لما كان الوجود وجودا جزئيا خاصا يمكن الإشارة إليه والتحقق منه فإنه لا يمكن أن يكون مطابقا لوجود الله في التصور المقصود له كوجود عام، وإذا كان الله ليس وجودا ذهنيا فحسب، بل وجود واقعي أيضا فكيف يشار إليه وكيف يعبر عنه في اللغة؟ من الصعب إذن وجود ما صدق للفظ «الله» كما وضح أنه من الصعب وجود مفهوم له، ولا ينفع هنا أي دليل أنطولوجي لإثبات وجود الله لأن الانتقال من الذهن إلى الواقع هو خروج من القوة إلى الفعل يحتاج إلى تحقيق ونشاط وحركة وفاعلية لا يعطيها الدليل العقلي الذي لا يتجاوز مجرد الافتراض والتسليم جدلا، وكيف يوجد في الواقع من مجرد وجوده في الذهن، وهو في كلتا الحالتين وجود جزئي متعين؟ فالتصور محدود بالذهن لأن التصور ينال بالحد، والوجود متعين جزئي وهو على خلاف الافتراض. (ه)
ولا يمكن إيصال أي معنى بلفظ «الله»؛ لأن اللفظ حوى كثرة من المعاني لدرجة أنه يدل على معان متعارضة، فهو الأزلي، المطلق، الشامل، الكلي، وهو عند البعض الآخر الزمني، النسبي، الجزئي، المتحرك، المتغير، وهو عند فريق ثالث الدافع الحيوي، والاندفاع، والعاطفة، وعند فريق رابع التاريخ والصيرورة، فإذا استعمل البعض لفظ «الله» وهو يقصد معنى معينا فلربما فهم المستمع معنى آخر، والمعنيان كلاهما واردان في اللفظ، وكل من يجادل في الله، فإنه لا يزيد على إقامة حوار بين صم.
لقد ظهرت اللغة إلهية في أول انتشار الحضارة لتعبر عن الدين الجديد، فقد كان لفظ «الله» له مدلوله الشعوري المثالي في الشعور العربي القديم، ولكن ما إن بدأت الحضارة في التطور حتى بدأت اللغة الإلهية في التراجع وحلت محلها لغة عقلية خالصة كما اتضح ذلك في علم أصول الدين المتأخر، وكما وضح بصورة أوضح في علوم الحكمة. (2)
واللغة القديمة لغة دينية تسودها ألفاظ تشير إلى موضوعات دينية خالصة مثل: دين، ورسول معجزة، نبوة، وهي لغة عاجزة عن إيصال مضمونها للعصر الحاضر، فاللفظ التقليدي «دين» لا يؤدي وظيفته في الإيصال، فإذا كان لفظ «الله» يحتوي على تناقض داخلي في الإيصال بالإضافة إلى تضارب معانيه، وكلها قد تعارض المقصود منه، فإن لفظ «دين» وإن كان يمكن التعبير به عن المقصود منه، إلا أنه لا يمكن أداء وظيفته في الإيصال نظرا للمعاني العديدة التي التصقت به طول تاريخ استعماله، بل والتي تتعارض أحيانا مع المعنى الأصلي له الموجود في المعنى الاشتقاقي أو في المعنى الاصطلاحي الشرعي، وهو المعنى الأصلي القبلي الذي أتى به الوحي، فنظرا لهذه الشحنة من المعاني الغريبة عن اللفظ والملصقة به فإن اللفظ يفقد معناه الأصلي، بل ويفقد كل قدرته على إيصال أي معنى حتى ولو كان المعنى الأولي له لما يلتصق به من معاني مضادة، بل ويستحيل إعطاء أي معنى جديد له لأن هذا المعنى الجديد بمفرده لا يمكنه مقاومة تاريخ طويل من المعاني الوافدة عليه، ولفظ «دين» أصبح لفظا «منعرجا» ذا طرف واحد لا يوصل إلا معنى واحدا وهو الغالب أي أنه لا يوصل إلا أحد الجوانب في صورته المتطرفة، وهو الجانب الإلهي أو الخارق للعادة أو الأخرويات أو ما وراء الطبيعة، فكل دين بالضرورة يفيد هذا المعنى، وكل «مادة» للدين تكون من هذه العينة، كلها تشير إلى هذا الجانب الواحد، بل وأصبحت هذه المادة عينة مختارة ونموذجا لكل الأديان الممكنة دون أي تصنيف لنوعيات الأديان إلى دين تاريخ ودين وحي، دين ما وراء طبيعة ودين طبيعة، دين سر ودين علن، دين لا عقل ودين عقل، دين سلطة ودين فرد، دين خطيئة ودين براءة، دين طقس ودين تقوى، دين كهنوت ودين عالم، دين إله ودين إنسان ... إلخ، ودون أي مراعاة لتطور الدين في مراحله المختلفة، فنظرا لأن لفظ «دين» له استعمالات كثيرة، ويفيد معاني متناقضة فإنه أصبح يشير إلى ما لا يقصد به، فهو يشير إلى التاريخ أكثر مما يشير إلى الوحي، ويشير إلى التاريخ السياسي والاجتماعي للدول المعتنقة لهذا الدين أو إلى العلوم الدينية التي نشأت منه أو إلى المذاهب والتيارات الفكرية التي أسسها بعض المعتقدين به أو إلى مجموعة من العقائد التي نشأت من تصورات معينة في مرحلة محدودة من تطور الحضارة التي نشأ فيها هذا الدين، وهي كلها لا تفيد معنى الدين والمقصود منه في الوحي أو في عصرنا الحاضر طبقا لمتطلباتنا الحالية، لقد كانت اللغة الدينية ضرورة أولى في نشأة الحضارة، ولكن ما إن تقدمت الحضارة حتى بدأت اللغة الدينية تتراجع وتأتي محلها لغة عقلية خالصة كما هو الحال في علم أصول الدين المتأخر، ولما كان لفظ «دين» قاصرا عن أداء المعنى فإن لفظ «أيديولوجية» أقدر منه على التعبير عن الدين المعني وهو الإسلام، وإيصال معناه لأن الوحي مجموعة من الأفكار والتصورات تصدر منها أنظمة وشرائع خرجت من الواقع «بأسباب النزول» وتكيفت حسب الواقع «بالناسخ والمنسوخ» وهدفها تغيير الواقع إلى واقع أفضل منه، فالحاكمية لله تعني تحقيق الوحي كنظام اجتماعي وإنشاء الدولة التي تعبر عن الكيان السياسي للأمة، وذلك عن طريق المؤمنين وهم الحزب الطليعي، أو بمعنى معاصر هم الحزب «البروليتاري» الذي يقوم بتحقيق الأيديولوجية في التاريخ.