24
وظهرت الشورى في شروحنا على نظم الحكم وحرية الإنسان في مجتمع حر، ولكننا أسقطنا الرؤية بل وبدلناها إلى الإعلان عن مخاطر الحرية لمن يسيء استغلالها وعن مآسي الشورى في مجتمع لم يتعود على حكم نفسه بنفسه، وقلبنا الباطل حقا والحق باطلا، كأننا ندعو الطاغية للظهور، ونسلم له الرقاب.
وقد كان الحدس قصير المدى لضعف في التكوين الثقافي لصاحب الحدس، فلو أنه استمر فيه وطوره، وبرهن عليه، وأعطى له تطبيقات أكثر، وأدخله ضمن العلوم الإنسانية لقدر له البقاء والاستمرار، ولتحول إلى نظرية عامة بل وإلى أساس نظري لسلوك الناس، وربما أيضا غاب النفس الطويل عن الكاتب، وأسرع في التعبير عن حدسه ولم يصبر حتى يتحول إلى بناء نظري عام في مجتمع يريد الشهرة ويفرح بالأبطال الذين يلوحون بالفكر، وكيف يسقط الزمان من الحساب وهو الحامل للاختمار؟ وقد يكون السبب أيضا عدم تكوين مدرسة فكرية تتبنى الحدس الأول وتطوره حتى يمكن أن يظهر من خلالها مفكرون يحولون الحدس إلى تيار فلسفي وبالتالي إلى حركة في الواقع وإلى مسار تاريخي، وربما لأن صاحب الحدس ما زال فردا، وما زال يسري عليه ما يسري على الآخرين من اعتزاز بالشخص وبالعبقرية الفردية لنقص في المعرفة بدور المفكر في التاريخ، وبطريقة سري الأفكار وتحقيقها وانتشارها، وربما لعدم إنشاء حزب يكون مهدا للفكر، ومحققا للحدس في التاريخ يتربى من خلاله الناس، وينشأ فيه المفكرون والكتاب، وربما لتخوف المفكرين وتنصل الكتاب من تبعة المسئولية، فتطوير الحدوس يلزم المفكر بالواقع وهو لا يريد إلا أن يكون عارض نظريات؛ لذلك يؤثر المفكرون السلامة وحسن العاقبة.
وكما أن دراسات المستشرقين ليست «دراسات موضوعات» بل «موضوعات دراسة»، فكذلك دراسات الباحثين المعاصرين الذين ينتسبون إلى نفس الحضارة ليست دراسات لموضوعات بل موضوعات لدراسة، وكما أن دراسات المستشرقين تكشف عن التكوين الثقافي والنفسي للباحث أكثر مما تكشف عن واقع مدروس فكذلك دراسات الباحثين المسلمين تكشف عن ثقافتهم وتكوينهم وواقعهم النفسي والاجتماعي أكثر مما تكشف عن واقع مدروس، وكما أننا لم نستعمل دراسات المستشرقين كمصادر للتراث والتجديد لأنها تحتاج إلى فحص سابق، والجهد المبذول في ذلك أكثر بكثير من النتائج المرجو الحصول عليها، فكذلك لم تستعمل دراسات الباحثين المسلمين لأن الجهد المبذول في إعادة تحقيقها أكبر بكثير من النتائج المرجوة منها؛ وذلك لأنها تكرار وترديد أو مسخ وتشويه للقديم، ولأننا نريد إعادة بناء القديم الخام وتطويره دون المرور بالدراسات الثانوية، والأسهل مضغ اللقمة مباشرة ثم ابتلاعها بدلا من ابتلاع لقمة من مضغ الغير، ومع ذلك فالدراسات الثانوية يمكن أخذها كمؤشر على عقليتنا المعاصرة وكنموذج لما وصلت إليه دراساتنا حول التراث، فهي تكشف عن واقعنا أكثر مما تكشف عن القديم.
وإذا كان خطأ النعرة العلمية أنها تعرف «كيف تقول» دون أن تعرف «ماذا تقول»، «فإن خطأ النزعة الخطابية» أنها تعرف «ماذا تقول» دون أن تعرف «كيف تقول»، والتراث والتجديد محاولة لتفادي الخطأين معا؛ إذ يحاول أن يعرف «ماذا يقول» وهو التراث، و«كيف يقول» وهو التجديد.
| رابعا: طرق التجديد
يحدث التجديد بعدة طرق، بعضها خاص باللغة، والبعض الآخر خاص بالمعاني والبعض الثالث خاص بالأشياء ذاتها طبقا لأبعاد الفكر الثلاث: اللفظ، والمعنى، والشيء. (1) منطق التجديد اللغوي
إن اكتشاف لغة جديدة هو اكتشاف للعلم، وطالما تأسس العلم بتأسيس لغته أولا، بل إن تطور العلوم وانفراج أزمتها يحدث باكتشاف اللفظ أو المفهوم، ومن ثم يصبح التجديد عن طريق اللغة هو بداية العلم الجديد.
واللغة وسيلة للتعبير، ويمكن لفكرة صحيحة أن يعبر عنها بلغة غير محكمة ثم تضيع الفكرة، كما يمكن لفكرة غير صحيحة أن يعبر عنها بلغة محكمة فتثبت الفكرة وتنتشر ويعتنقها الناس؛ ومن ثم كانت أهمية اللغة كوسيلة للتعبير والإيصال. وقد فرض كل فكر جديد لغته، وبدأت كل حركة جديدة بتجديد اللغة أولا، إذ يحدث أحيانا عندما تطور الحضارة وتمتد وتتسع معانيها أن تضيق بلغتها القديمة الخاصة التي لم تعد قادرة على إيصال أكبر قدر ممكن من المعاني لأكبر عدد ممكن من الناس، فتنشأ حركة تجديد لغوية، وتسقط فيها الحضارة لغتها القديمة الخاصة وتضع لغة جديدة أكثر قدرة على التعبير.