تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

إن العلوم الأساسية في تراثنا القديم ما زالت تعبر عن نفسها بالألفاظ والمصطلحات التقليدية التي نشأت بها هذه العلوم، والتي تقضي في الوقت نفسه على مضمونها ودلالتها المستقلة، والتي تمنع أيضا إعادة فهمها وتطويرها، يسيطر على هذه اللغة القديمة الألفاظ والمصطلحات الدينية مثل: الله، الرسول، الدين، الجنة، النار، الثواب، العقاب، كما هو الحال في علم أصول الدين، أو القانونية مثل: الحلال، الحرام، الواجب، المكروه، كما هو الحال في علم أصول الفقه، أو التاريخية الملتصقة ببيئة ثقافية معينة مثل: الجوهر، العرض، الممكن، الواجب، الضروري، الحادث، العقل الفعال، العقل المنفعل كما هو الحال في الفلسفة، أو الرضا، التوكل، والورع، الصبر، الخشية، الخوف، الحزن، البكاء كما هو الحال في التصوف. هذه اللغة لم تعد قادرة على التعبير عن مضامينها المتجددة طبقا لمتطلبات العصر نظرا لطول مصاحبتها للمعاني التقليدية الشائعة التي نريد التخلص منها، ومهما أعطيناها معاني جديدة فإنها لا تؤدي غرضها لسيادة المعنى العرفي الشائع على المعنى الاصطلاحي الجديد، ومن ثم أصبحت لغة عاجزة عن الأداء بمهمتيها في التعبير والإيصال.

ولا يتم التجديد بطريقة آلية، بإسقاط لفظ ووضع أي لفظ آخر محله، مرادفا أو شبيها، بل بطريقة تلقائية صرفة يرجع فيها الشعور من اللفظ التقليدي إلى المعنى الأصلي الذي يفيده ثم يحاول التعبير من جديد عن هذا المعنى الأصلي بلفظ ينشأ من اللغة المتداولة كما كان اللفظ التقليدي متداولا شائعا في العصر القديم. وهذه عملية طبيعية تحدث في أوقات تجديد الحضارات ومرورها بمراحل جديدة في تطورها؛ إذ يقبض الشعور على المعاني الأولية وهي جوهر الحضارة، ويخشى عليها من الضياع والجرف إبان التغير اللغوي، ثم يعبر عن هذه المعاني بلغة من واقعه الذي يعيش فيه؛ فالمعاني هي معان التراث، واللغة لغة التجديد. إن تجديد اللغة ليس عملا إداريا يتم والباحث على مكتبه يغير اللغة التقليدية كيف يشاء، بل هو عمل تلقائي يتم في شعور الباحث الذي يجد نفسه غير قادر على التعبير عن المعاني الكامنة في اللغة التقليدية نظرا لثقافته الحديثة ولبيئته الثقافية الجديدة؛ وعلى هذا يتم التجديد اللغوي وكأن اللغة تنشأ من جديد، ولكنها تكون لغة ثانية لها طراز في اللغة التقليدية؛ ولذلك أمكن تسمية هذا التغيير تجديدا لغويا باعتبار النشأة الأولى التي تمت في المرحلة التقليدية، وذلك لأن المعاني الكامنة والتي لا يتم التعبير عنها بسهولة في اللغة التقليدية قد تأتي لحظة إما تتفجر فيها، وتصبح ثورة فكرية بلا قيود لغوية وبلا استمرار حضاري، أو تلفظ كلية وتصبح انقطاعا وتحولا عن التراث التقليدي كله. إن اللغة الجديدة من شأنها السماح لهذه المعاني بالتعبير، وتكشف عن أشياء كانت خافية في بطن اللغة التقليدية، والتجديد اللغوي لا يتلخص فقط من ركود اللغة التقليدية وقصورها في التعبير عن المعاني، ولكنه يتخلص أيضا من بعض القلق وعدم الوضوح في الاستعمال لبعض ألفاظ اللغة الجديدة؛ فألفاظ الشعور، والزمان والفعل والقصد كلها ألفاظ عائمة لا تفيد معنى محددا، بل تفيد عدة معان وربما متعارضة بل ومتضادة، فنظرا للمذاهب الفكرية التي نشأت فيها هذه اللغة وبيئاتها الثقافية، ونظرا لأن المعاني الكامنة في اللغة التقليدية لها من الاستقرار والأصالة، لأنها خارجة من الوحي، مما يؤهلها لتكون عاملا للاستقرار اللغوي للغة الجديدة؛ فإن التجديد اللغوي يصبح ضرورة طبيعية تستبدل فيها اللغة القديمة بلغة جديدة من أجل التعبير عن المعاني المتجددة طبقا لمقتضيات الواقع.

ولما كانت اللغة صورة الفكر فإن التجديد اللغوي ليس تغييرا لمضمون الفكر بل تجديد لصورته وهي اللغة، اللفظ ليس إلا حاملا للمعنى وموصلا له، ولكن المعنى مستقل عن اللفظ، وقد كان الإحساس في تراثنا القديم باستقلال المعاني عن الألفاظ إحساسا قويا، ولا يوجد متكلم أو فيلسوف أو فقيه أو صوفي إلا ونبه على أنه لا مشاحة في الألفاظ، وأن صلة المعنى باللفظ كصلة النفس بالبدن أي صلة تميز واستقلال.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٥٠