تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يعني نقد الجدل والمهاترات غياب المعارك الفكرية من واقعنا الثقافي، فالجدل شيء والتنوير شيء آخر، فصراع الآراء حول الواقع، وتضارب التحليلات حول الموضوعات جزء من عملية التنوير ولكنها خالية من الانفعال والذاتية، يمكن للجدل أن يكون منهجا سليما للحوار المفتوح، وتبادل الآراء، وعرض وجهات النظر المختلفة، والتعلم المشترك، فقد نشأ علم أصول الدين كله على هذا النحو بالجدل بين الأفكار، ولكن ليس الجدل العقيم بل الجدل الخصب الذي يدل على حيوية الفكر والقدرة على أخذ المواقف، كما نشأ عند الصوفية الجدل بين العواطف والانفعالات جدل بناء وليس جدلا هداما، وفي أصول الفقه ظهر جدل بين الفقهاء يدل على جدل آخر بين النص والواقع، وهو جدل منطقي سلوكي من أجل توجيه الوحي لحياة الناس، فالجدل ليس مدانا بذاته بل هو مدان إذا تحول إلى مهاترات وسفسطة، في حين أنه يمكن أن يكون دليلا على الحوار وعلى خصوبة الفكر. (د)

الحدس قصير المدى : إذا كان بالإمكان تسمية النزعة الخطابية منهجا فذلك لأنها استطاعت أن تتحول إلى منهج في الدراسة قائم على الحدس قصير المدى في الاتجاهات التجديدية الحالية، ويقصد بالحدس قصير المدى ما يلاحظه بعض الباحثين من حقائق في التراث توصف ابتداء من نشأتها من الوحي، هو حدس لأنه قائم على إدراك مباشر لبعض حقائق في التراث وهو قصير المدى؛ لأنه لم يتعد نظرات متفرقة هنا وهناك دون أن تتجمع في بناء نظري كامل يمكن أن يكون نموذجا لوصف الظواهر الفكرية أو منطقا لتفسير الوحي؛ ولذلك ظل محدودا، سواء في تكوينه النظري أو في تطبيقه في الواقع، وهو أيضا حدس جزئي استطاع أن يصور جانبا في التراث بصدق ولكنه لم يتجاوز هذا الجانب إلى أن يعطي صورة عن التراث ككل.

والأمثلة على ذلك كثيرة من داخل حركات التجديد المعاصرة التي أعطت حدوسا لم تطورها في دراساتنا على التراث القديم، فالتوحيد كما يصوره الأفغاني وإقبال مثلا ليس علم الكلام الموروث من نظرية في الذات والصفات والأفعال، بل هو حياة وحركة وقوة على الأرض، وحياة في الشعور، وتحرير للإنسان، وتأسيس للمجتمع الواحد ذي الطبقة الواحدة، وتوحيد للشعور بين القول والعمل والوجدان والفكر، وتوحيد للبشر بلا لون أو دين أو جنس أو لغة أو منطقة، والتوحيد كما يصوره الشهيد سيد قطب تحرر الوجدان الإنساني من كل القيود وتأسيس لمجتمع العدل والإخاء، والتوحيد عند الكواكبي هو أيضا إثبات لحرية الإنسان ومقاومة لقوى الاستعباد والاستبداد والظلم والطغيان، وهنا يتحول تنزيه الله إلى حرية الإنسان، ونحن الآن نتحدث في التوحيد دون الحرية، كما أعطى رشيد رضا تفسيرا اجتماعيا للقرآن موجها النصوص ضد أبنية الواقع المخلخلة من أجل التغيير، تغيير هذا الواقع المخلخل إلى واقع مثالي راسخ، ولكن لم يسر أحد بعد ذلك في هذا التفسير الموجه، واستعمال النصوص استعمالا وظيفيا خالصا، وما زلنا نفسر النصوص تفسيرا نظريا خالصا،

23

كما ظهر لدى الأفغاني وعثمان دنقة والشهيد سيد قطب وحدة النظر والعمل وأن الفكرة الإسلامية ليست نظرية بل هي ممكنة التحقيق وواقع يتحرك، ثم رجعنا عن ذلك إلى الدراسات التي تظهر فيها الأفكار مجرد آراء لا تتعدى ما بين السطور.

وهناك أمثلة أخرى كثيرة على حدوس في تراثنا القديم نكررها بعد أن ظهرت دقائقها في التراث دون تطويرها وإحيائها وتوجيه الواقع بها، فقد ظهر أن العقل هو أساس النقل وأن كل ما عارض العقل فإنه يعارض النقل، وكل ما وافق العقل فإنه يوافق النقل، ظهر ذلك لدى المعتزلة وعند الفلاسفة، وظهرت لغة التخييل في الوحي ومنطق البرهان في الفكر، ولكننا لم نسر في هذه الرؤية، ورجعنا إلى التشبيه والتجسيم والتقليد، وجعلنا النقل أساس العقل، وآمنا بالوقائع الحسية المادية وراء التصوير الفني، واعتمدنا على سلطة الكتاب في البرهان، وظهر الواقع في علم الأصول، ورأينا المصالح المرسلة والاجتهاد، وأن «ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن»، وأن الواقع له الأولوية على كل نص في «لا ضرر ولا ضرار»، ولكننا لم نسر في هذا الحدس، ورجعنا إلى النص الأول نعطي له الأولوية على الواقع، احتمينا بالنصوص فجاء اللصوص،

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٤٨