تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجدل والمهاترات: يؤدي الدفاع والتقريظ إلى الجدل والمهاترات ذلك لأن التقريظ والدفاع يؤديان إلى المقارنة ثم إلى الهجوم إما بين الباحثين أنفسهم أو بينهم وبين باحثين آخرين من حضارة أخرى، فإن كان في التقريظ والدفاع بقايا من وجود فكري للموضوع، فإن هذه البقايا تمحى كلية في الجدل والمهاترات، فالجدل لا يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، بل يهدف إلى الانتصار على الخصم، وبدل أن تتوحد جهود الباحثين في عمل مشترك تتعارض وتتنافر ويلغي بعضها البعض أو ينتصر واحد على حساب هزائم الآخرين، المجادل لا يفكر، بل يريد هزيمة الآخر حتى ولو كان على حساب موضوعه ومنطقه ومواقفه الفكرية، ولا يرى غضاضة في البدء بالأفكار المسبقة وفي استعمال المغالطات، والتسليم بمقدمات الخصم وهو لا يؤمن بها، فالمجادل لا يفكر ولا يحايد، بل يعارك ويحارب، وهنا أيضا يضيع العقل، وتسود العاطفة والانفعال، ونكون أمام الفن الأدبي القديم، فن المناقضات الأدبية ، ولسنا أمام فكر موضوعي، ويتحول الباحثون إلى شعراء لا يقرضون شعرا.

والأمثلة على ذلك كثيرة، يثار بيننا الجدل عن الحكومة الدينية، خلافة أم علمانية، وتتصارع الأهواء، وتتضارب الغايات دون أن يحاول أحد تحليل الواقع الذي يمكنه أن يبدد كل هذا الجدل، فالواقع لا يوصف بما هو أقل منه، كما أن له بناءه المثالي في الوحي، والوحي ليس دينا بل هو البناء المثالي للعالم، ويثار جدل آخر حول الفلسفة الإسلامية يونانية أم إسلامية، تابعة أم أصلية، وتتضارب الأهواء وتتبارز الأقلام، ولا يحاول أحد وصف العمليات الحضارية الناشئة من التقاء حضارتين، وهي عمليات واقعة بالفعل ترفض أن يلصق عليها أي وصف خارجي، ويثار جدل ثالث، وما زال يثار بين شيعة وسنة حول الإمامة والتوحيد وأي الأئمة كان أحق بالإمامة منذ أربعة عشر قرنا مضت، وهل الإله مجسم أم منزه، ولا يحاول أحد أخذ الواقع ذاته والاحتكام إليه، إن حال الناس اليوم في إيران أو مصر لا يختلف فكلاهما يعاني من التسلط والبؤس والتخلف، ولا يحاول تفسير نشأة الأفكار الدينية بالرجوع إلى الظروف النفسية والاجتماعية التي سببتها، وربما يكون التوحيد لا هذا ولا ذاك، ويثار جدل رابع حول التصوف من أي مصدر هو خارجي من فارس أو الهند أو اليونان أو الرومان أو داخلي من الكتاب والسنة وحياة الرسول والصحابة والتابعين، ولا يحاول أحد الرجوع إلى الواقع الذي نشأ فيه التصوف وكيف أنه كان رد فعل على حركة البذخ الترف، ومقاومة سلبية فردية انعزالية لقلب القيم، ويثار جدل خامس عن حياة الناس أتخضع لقانون ديني أم قانون مدني، وكأن حياة الناس ذاتها ليس لها الأولوية على كل قانون.

والجدل والمهاترات ينشآن من إحساس رهيب بذاتية كل كاتب تصل إلى درجة المرض، فهو يدافع عن ذاته وعلمه ومذهبه وصدارته من خلال القضايا، والغاية هي الذات وليست القضية، خاصة في مجتمع لم يتعود على العمل الجماعي، وعلى النظرة الموضوعية، وعلى الفصل بين الوقائع وبين القائلين بها، الجدل هو انفصال الماضي والحاضر على السواء، فالموروث لم يقم على جدل ومهاترات بل على تحليل وبرهان، والواقع لا يصاغ بالجدل وبالآراء بل بتحليل المعطيات والمكونات، الجدل بين الكتاب نوع من المراهقة المتأخرة وضجة بلا أساس، وفرقعة بلا سلاح، ومعركة بلا ميدان، هذا بالإضافة إلى أن الجدل يمكنه إثبات الشيء ونقيضه ما دام الأمر يتوقف على البراعة، فقد يثبت الجدل أفضلية التوحيد على التثليث كما قد يثبت أفضلية التثليث على التوحيد بنفس البراعة، وقد تبارى علماء الجدل القدماء في ذلك، فالجدل مهارة وليس معرفة، وهو فن لا علم، هو ظن لا يقين، والعجيب أن التراث القديم ذاته قد أدان الجدل بوضعه داخل منطق الظن وخارج منطق البرهان، والجدل مع السفسطة والخطابة والشعر على نفس المستوى، ولكننا لم نع درس التراث وتجادلنا بيننا من أجل إثبات ذواتنا الضائعة، ومن أجل افتعال معارك، والمعركة الحقيقية في طي النسيان، الجدل مثل التحزب للأندية الرياضية في غياب تصريف الطاقات الطبيعية للناس، فيتجادلون إعلانا عن نفوسهم الضائعة ووجودهم المنسي، ورغبة في إلحاق الهزيمة بعدو مفتعل، والحصول على النصر بأجر زهيد، كلمات معدودات.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٤٧