والأمثلة على ذلك كثيرة، فمثلا في التوحيد ندافع عن التنزيه دون أن نتحقق من سوء فهم التنزيه عندما يتحول إلى وظيفة نفسية تساعد على الدفاع عن السلطة، وندافع عن إثبات الصفات دون أن نحاول معرفة سوء استخدام ذلك الإثبات في ضياع استقلال قوانين الطبيعة وحرية الإنسان، وندافع عن الكسب دون أن نفهم ماذا يعني ولكن من أجل إثبات حق الله كما هو الحال في التراث القديم، وفي الفلسفة ندافع عن الخلق ونهاجم الفيض والقدم دون أن نحلل ما ينتج عن الخلق أحيانا من آثار على السلوك إما في النفاق أو التستر أو الانحلال، وندافع عن الإلهيات وكأنها هي الصياغة الوحيدة للتوحيد، وندافع عن خلود النفس وانفصالها عن البدن وكأن هذا الخلود التطهري الفردي هو الوسيلة الوحيدة لإثبات البقاء والاستمرار، وفي التصوف ندافع عن الإلهام والكشف والكرامة والولاية ونعلي من شأن الرضا والتوكل والخشية والخوف والحزن والبكاء، ولا نتحقق من خطورة هذه القيم السلبية في سلوك الناس وعلى عقولهم وعلى حريتهم، وندافع عن الفقه القديم وكأن الوقائع وحياة الناس يمكن صياغتها بالنصوص.
والدفاع هو غياب لكل وجهة نظر نقدية للموروث، وتقبل لكل الماضي بلا نقد أو تمحيص، الدفاع هدم للعقل، وضياع للواقع، وسيادة للانفعال، الدفاع هو إعلان بالعاطفة لما يجب أن يقوم العقل بتحليله، واستمرار في التخلف النفسي، وتعويض ذلك بالحماس وتملق مشاعر الجماهير، الدفاع رفض للعقل، ينشأ عن جهل أو تعصب، يتبارى المدافعون كما يتبارى المحامون، الدفاع إثبات للهوية وللذات عن طريق إقامة معركة في الهواء وتعويض نفسي عن هزائم القوم وتخلف الباحثين واستسهال الأمور وطلب المراكز، تستخدمه السلطة السياسية لتغطية الواقع ومآسيه، فإذا كان الحاضر قد ضاع فعلى الأقل لنا عزاء في الماضي، وعادة ما يكون الدفاع هو دفاع عن النفس، ودفاع عن المنصب، ورغبة في الشهرة، ودخول في المزايدة، فأشد المدافعين حمية هو الذي يحصل على الغنيمة، ومن ثم ينقلب الفكر إلى تجارة، والأمانة إلى خيانة، وكثيرا ما يكون الدفاع عن نفاق لا عن إيمان واقتناع، ما دام الأمر كله تسابقا على الإعلان عن الذات وجريا وراء المغانم، يخدم الدفاع أغراض الرضا عن النفس، فالدفاع تبرئة للذمة، وتغطية للواقع، إذ يسير الواقع في تياره ونظمه بعيدا عن الوحي، ويأتي الدفاع ليحول الدين إلى ستار للواقع، وكلما ازداد الدفاع سمك الستار، الدفاع عن الدين في الحقيقة ليس فيه إثبات للدين، بل فيه تغطية على واقع لا ديني، والدفاع عن الإيمان تغطية لشعور لا إيمان فيه.
وقد نشأ الدفاع في وجداننا المعاصر كحيلة العاجز الذي لا يقدر على البرهنة عقلا ولا على إثبات واقعا، كما أنه لا يقدر على وضع هدف أمامه ثم التخطيط من أجل تحقيقه، ويظن أن الدفاع عن الشعار هو تحقيق له حتى لقد تحول فكرنا المعاصر إلى مجرد أبواق تدافع دون أن تدري عن أي شيء تدافع، وكأن الدفاع يصبح ذاتا وموضوعا في آن واحد، لقد كان الدفاع في تراثنا القديم من مواطن قوة، واستطاع أن يبرهن وأن يحاجج وأن يستدل، وانتهى الدفاع إلى إثبات حقائق الوحي على أسس عقلية كما انتهى إلى استقرار الوحي كثقافة وكحضارة، وعلم أصول الدين كله قد قام بمنهج الدفاع فتأسس العلم واكتمل بناؤه، وظهر العقل والبرهان كمحك للنظر.
ولا يعني عدم الدفاع غياب الهدف والمحايدة أمام الموضوعات، وبرودة الفكر، والتعامل مع جمادات، ولكن فرق بين الدفاع عن الهدف وتحقيق الهدف، فأكبر دفاع يمكن أن يقام لفكرة هو تحقيقها في العقل بالبرهان أو في الواقع بالفعل، بل إن الدفاع عن الهدف لا يحق هدفا بالمرة إذ يكتفي بالفكر بكونه عواطف وجدانية تتطاير فوق الواقع وتحجبه، ويظل الواقع ذاته أسير أبنيته الخاصة محجوبا عن أثر الفكر، فالدفاع حماية الواقع من كل توجيه للفكر، إن الإحساس بالرسالة هو الذي يجعل الباحث هادفا ملتزما مع القدرة على تحقيقها بالفعل ومن ثم تتحول الذات إلى موضوع، ويتم التوحيد بين الذاتية والموضوعية، وبين العقل والوجدان، وبين الحدس والبرهان. (ج)