وإذا كان بعض التكرار موجودا في المؤلفات القديمة في علم أصول الدين وعلم أصول الفقه خاصة، بل وفي علوم الحكمة أيضا، إلا أن كل مؤلف يحاول بناء العلم من الأساس؛ لذلك يبدأ من الألف إلى الياء ثم يضيف جزءا في بناء العلم، فعلم أصول الدين المتأخر مثلا يأخذ طابعا نظريا خالصا، ويتحول التوحيد فيه إلى نظرية في العلم ونظرية في الوجود بخلاف علم أصول الدين المتقدم الذي تسوده خلافات الفرق والمشاكل الجزئية، والتصوف المتأخر عند ابن سبعين إضافة أساسية على التجارب الصوفية المبكرة، وفي أصول الفقه المتأخر عند الشاطبي إضافات أساسية بتحليل المقاصد، مقاصد الشارع ومقاصد المكلف على الأفكار الأصولية الأولى عند الشافعي أو الدبوسي أو السرخسي، أما تكرار المعاصرين فإنه لا يضيف شيئا ولا يفعل أكثر من نسخ القديم مع أن هناك أجزاء كثيرة من العلم لم تبن بعد مثل «الإنسان» في علم التوحيد وفي الفلسفة، ووصف عملية السلوك وتحويل الوحي إلى نظام مثالي للعالم في أصول الفقه،
22
ومسار التاريخ وتحويل البعد الرأسي إلى بعد أفقي في التصوف، التكرار في التراث القديم لم يكن تكرارا خالصا محايدا، بل كان مقارنات ونقدا وأحكاما، فمتأخرو الأشاعرة ينقدون أوائلهم كما يفعل الرازي مع الأشعري، ومتأخرو الفلاسفة ينقدون متقدميهم كما يفعل ابن رشد مع الفارابي وابن سينا، ومتأخرو الصوفية ينقدون أسلافهم كما فعل السهروردي مع الحلاج والغزالي، فالتكرار هنا هو تفسير كل عصر للعلم وإعادة بناء العلم طبقا لحاجات العصر ومتطلباته، وهو ما يحاول «التراث والتجديد» القيام به بالنسبة إلى العلوم العقلية التقليدية القديمة.
والتكرار هو سبب الأزمة الواقعة في الفلسفة الإسلامية عند المشتغلين بها، فماذا يقول الباحث بعد شرح نظريات الفلاسفة؟ وإذا كان الفلاسفة أنفسهم يعيدون شرح نظريات أخرى، أو هكذا يبدون، فيتحول التدريس إذن إلى شرح على شرح، ويقع الفكر في شروح على متون ثم يضيع الفكر، وتشتد الأزمة عندما ينتهي الشرح، ثم يتساءل السامع: ولكن ما صلة هذا كله بالفلسفة الإسلامية خاصة إذا كان على دراسة بالفلسفة اليونانية والحديثة والمعاصرة، حيث يرى السامع فيها المشاكل المعروضة والحلول المقترحة على مستوى إنساني وبلغة العقل؟ تلك إذن هي مهمة الباحث المعاصر في أخذ المواقف بالنسبة للقديم وعرض ما قاله القدماء على حاجات العصر ومتطلباته، يمكن للباحث المعاصر أن يبين كيف نشأ القديم، ولماذا ظهر على هذا النحو ثم يعيد البناء من جديد وتستأنف عملية التكوين من جديد. لقد نشأ التكرار من فقدان الهدف عند الباحث، فالباحث لم يحدد له هدفا من قبل، عن أي شيء يبحث حتى يجد أو لا يجد، ولم يحركه حدس مسبق، ولم تدفعه غاية معينة، ينشأ التكرار من أن الباحث يتحول إلى مجرد موظف وليس صاحب رسالة، وينقلب إلى صاحب مهمة وليس صاحب دعوة، قد يكون هناك تكرار للحدس ولرؤية الكاتب، وفي هذه الحالة لا يكون التكرار مجرد تحصيل حاصل بل يكون تعبيرا عن الحدس بعديد من الصور وببراهين مختلفة، فالكاتب الهادف ليس له في الحقيقة إلا حدس واحد يعبر عنه بطرق شتى؛ وذلك لأن الحدس هو رؤية للواقع، ومن ثم فالواقع ذاته لا بد أن ينكشف على مستويات عدة وفي جوانب مختلفة، وغالبا ما يكون للكاتب حدس واحد يأخذ صورا عدة، وتطبيقات مختلفة، ويعبر عنه بلغات عدة، ولكن ذلك ليس تكرارا بل بيان وحدة الحدس بالرغم من اختلاف المواضع. (ب)
التقريظ أو الدفاع: وتظهر النزعة الخطابية أيضا كتقريظ للتراث أو لمصدره ثم الدفاع عنه والدعوة له، والدفاع في الحقيقة خلط بين التبرير والتفكير، فهو يقبل موضوعه ثم يبرره ويدافع عنه دون أن يضعه موضوع التساؤل ودون أن يحاول معرفة أي بناء نظري له أو أي أسس عقلية يقوم عليها، وقد يقوم التقريظ على الدفاع عن التراث كله، بكل ما فيه وعن التاريخ كله دون تمحيص سابق لما يمكن إرجاعه منه إلى المصادر الأولى في الوحي، ولما يمكن إرجاعه إلى التاريخ المحض، قد يكون التقريظ قائما أيضا على أسس خاطئة في الفهم أو مناهج خاطئة في التفسير خلفها التاريخ وراءه واقتضت الظروف استعمالها.