تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الحضارة الإسلامية قادرة على تمثل ثقافات الشعوب المجاورة ووضعها في قالبها؛ لأنه القالب الأوسع شمولا والأكثر عقلانية، ومن ثم لا يؤثر الجزء على الكل، بل يدخل الجزء ضمن الكل ويصبح متضمنا فيه، ومن ثم كان منهج الأثر والتأثر يهدف أساسا إلى القضاء على أصالة الحضارات وقدرتها على التمثيل والتعبير والخلق، وإلى القضاء على الظواهر المستقلة وقيامها من ذاتها، وإلى إرجاع كل شيء إلى مصادر خارجية، ومن ثم يقضي على فعل الروح وعمل الذهن، وهذا ما يهدف إليه المستشرق الغربي. (2) النزعة الخطابية

وهي النزعة التي تسود معظم الدراسات التي يقوم بها الباحثون الذين ينتسبون إلى نفس الحضارة، وهو الخطأ المضاد للنعرة العلمية السائدة في معظم دراسات المستشرقين. وبالرغم من أن النزعة الخطابية تعطي الأولوية للوحي على التاريخ، إلا أن الاتجاه اتجاه ساذج يعبر عن نوع من المراهقة الفكرية، حيث تسود العاطفة والانفعال، ويصدر الفكر مندفعا في حمية دون وضوح نظري؛ فهو ناتج عن أزمة أكثر من صدوره عن موقف فكري، أزمة الحق الضائع، والعجز العقلي، والتخلف الجماهيري، ويأخذ في الأحيان موقف المدافع والمقرظ لما يقول ولما يعبر عنه. قد يكون ذلك موقفا طبيعيا بالنسبة لمواقف الهجوم التي يتخذها إما بعض المستشرقين أو بعض الباحثين الإسلاميين التابعين لهم، ولكنه هجوم مؤقت انفعالي لا يرد على الحجة بالحجة، ومما يساعد النعرة الخطابية على الظهور هو نوع من الشهرة الإعلامية التي يتشوق إليها الباحث الذي في الغالب ما يكون مدعيا للتجديد أو متملقا لعواطف الجمهور رغبة في الانتصار الديني لدرجة أنه ينقلب أحيانا إلى نوع من الاستهلاك المحلي الصرف، خاصة إذا احتاجته السلطات السياسية لتعمية الموقف السياسي وملء الفراغ بالعواطف الدينية. النعرة الخطابية إذن نقص في الجدية بل ونقص في الوعي الإدراكي للمشاكل، يساعد على ذلك نقص في التكوين النظري للباحث فهو يعبر عن المستوى الثقافي الحالي من تطور الحضارة، ولكنه متخلف عن المستوى الثقافي للتراث القديم الذي استطاع دفع المشاكل وإيجاد حلول عقلانية لها، وقد بلغ التعقيل في تراثنا القديم درجة أن التراث كله أصبح نظرية في العقل.

وتظهر النعرة الخطابية في عدة مناهج، هي في الحقيقة تنويعات مختلفة على الخطابة دون أن تكون مناهج محكمة ذات أصول وقواعد وأهمها: التكرار أو تحصيل الحاصل، والتقريظ أو الدفاع، والجدال والمهاترات، والرؤية الحدسية قصيرة المدى. (أ)

التكرار أو تحصيل الحاصل: إن كان الصعب تسمية هذه الخاصية منهجا فإنها على الأقل تسود كثيرا من الدراسات وتغلب على عقلية كثير من الباحثين، وهي تكرار مضمون النصوص المدروسة دون الإدلاء بأي فهم أو تفسير لها، أي أنها تنقل بصورة أخرى مسهبة أو موجزة الموضوعات التقليدية كما هي معروضة في التراث القديم وكما تفعل الشروح القديمة التي لا تتعدى حدود الألفاظ والمصطلحات القديمة وتفسير الماء بالماء، فالعبارة هي نفسها العبارة مكررة في صور عديدة تفقدها تركيزها بل ومضمونها؛ إذ تحمل الفكرة الحواشي والشروح أكثر مما تستطيع لدرجة أنها تفقدها استقلالها ودلالتها. وغالبا ما يكون المنهج التاريخي وتحصيل الحاصل نفس المنهج؛ فالذي يقرر الوقائع التاريخية لم يفعل إلا أنه كرر ما هو معروف، ولكن المنهج التاريخي يستعمله المستشرق والتكرار يقوم به الباحث الذي ينتسب إلى نفس الحضارة. وكثيرا ما يعتمد التكرار على اقتباس النصوص ووضعها في صلب البحث حتى يتضخم، وغالبا ما تذكر المراجع ويضع الباحث المادة القديمة دون ذكر لمصادره، ويتعيش المعاصرون على السابقين، ويأكل الخلف على موائد السلف، ويتسطح الفكر ويمتط. لقد حدث هذا في عصر الموسوعات والشروح والملخصات خشية على التراث من الضياع تحت تأثير هجمات التتار والمغول. حفظ التراث ودون في موسوعات عامة كما يحدث في كل تراث، وكما حدث في التراث اليهودي في القرن السادس قبل الميلاد أثناء الأسر البابلي، ولكننا الآن، والحمد لله، لا نواجه هذا الخطر، فالتراث محفوظ ومدون بل ومنشور منه قسط كبير، ولكننا نواجه الخطر الآخر وهو خطر التكرار بلا فهم، والترديد بلا وعي، وعدم وجود تفسير معاصر لتراث قديم.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٤٤