كما يقوم منهج الأثر والتأثر على خطأ في فهم التأثر نفسه والحكم به بمجرد وجوه تشابه بين ظاهرتين في بيئتين مختلفتين بينهما اتصال تاريخي، وهذا غير صحيح على الإطلاق ، فالأثر والتأثر عملية حضارية معقدة تتم على مستويات عدة: اللغة والمعنى، والشيء، فلو كان هناك اتصال تاريخي بين حضارتين، وظهر تشابه بين ظاهرتين، فإن التشابه قد يكون في اللغة، وفي هذه الحالة لا يكون أثرا بل هي استعارة، ولا يكون في المعنى أو في الشيء بل يكون في الشكل أو في الصورة، واللغة هي صورة الفكر وشكله ووسيلة التعبير عنه، إذ إنه يحدث بنشأة حضارة ما وتطورها أنها تمتد حتى تصل إلى حدود حضارات أخرى سابقة عليها في الزمان، أي أنها أسبق منها نشأة وأكثر منها تطورا فيحدث أن تسقط الحضارة الناشئة ألفاظها القديمة وتستعير ألفاظ الحضارة المجاورة وتستخدمها للتعبير بها عن المضمون القديم، وهذا هو ما يسمى بالتجديد، وهذه هي إحدى طرقه بالاستعارة اللغوية، خاصة إذا كانت اللغة المستعارة عقلية وعامة ومفتوحة، فهي استعارة للشكل دون المضمون، وتجديد للصورة دون الفحوى، قد يحدث تجديد داخلي للمضمون والفحوى بفعل اللغة الجديدة ولكنه تجديد داخلي بتفاعل المعنى القديم مع اللفظ الجديد الذي يبرز جوانب من المعاني كانت خافية تحت اللفظ القديم أو يركز على جوانب أخرى كانت مهملة باللفظ القديم، وهذه الاستعارة اللغوية عملية طبيعية تحدث في كل لحظة تاريخية تتقابل فيها حضارتان معا، الأولى ناشئة والثانية متطورة حتى تنتقل الحضارة من الخاص إلى العام بفعل التطور، والاستعارة اللغوية على هذا النحو ليست أثرا أو تأثرا لأن الألفاظ مشاع بين الجميع يتداولها الناس، فهناك استعارة لغوية من الألفاظ الفارسية في الوحي لأنها كانت مشاعا قبل ذلك في الشعور العربي، كما نشأت ألفاظ العام والخاص والمطلق والمقيد وسائر مصطلحات علم الأصول في الرسالة للشافعي نشأة تلقائية لأنها لغة العقل البسيط.
20
أما إذا حدث تشابه في المضمون بين ظاهرتين من حضارتين مختلفتين فإن ذلك أيضا لا يمكن تسميته أثرا أو تأثرا دون تحديد لمعنى الأثر لأن إمكانية التأثر من اللاحق بالسابق موجودة، أي أن الشيء نفسه موجود ضمنا في الظاهرة اللاحقة، وما كانت الظاهرة السابقة إلا مثيرا أو مقويا ووجود الباعث أو المثير أو المقوي لا يعني وجود الشيء نفسه، بل العامل المساعد الخارجي على إظهاره، فالصلة التاريخية لا تدل على أثر أو تأثر بقدر ما تدل على إظهار إمكانيات جديدة للحضارات الناشئة وتحويلها إلى ظواهر بالفعل بفضل الوسائل الجديدة المتاحة للتعبير، وكثيرا ما تؤثر الحضارة الجديدة الناشئة بمعانيها في الحضارة القديمة، فإذا استعارت الحضارة الناشئة ألفاظ الحضارة القديمة في التعبير بها عن معانيها الخاصة أخذت هذه الألفاظ معاني جديدة لم تكن فيها من قبل، واكتشفت في الحضارة القديمة أبعاد جديدة لم تكن معروفة من قبل ولم تعرف إلا بفعل الحضارة الجديدة الناشئة وبمعانيها الشابة.
21
ويجوز أيضا أن يوجد تشابه بين ظاهرتين من حضارتين مختلفتين، سواء وجد اتصال تاريخي بينهما أم لم يوجد، ويجوز أن يرجع هذا التشابه إلى تشابه في نفس الظروف التي أدت إلى ظهور نفس الأفكار ما دامت واحدة، والذهن الإنساني واحد، والحقائق واحدة، فهناك حقائق إنسانية عامة وثابتة تظهر هنا وهناك دون أن يكون هناك أدنى أثر من هذه الحضارة أو من تلك، فكلاهما راجعان إلى نفس المصدر، حقائق موجودة، وأذهان متفتحة تدركها، فالصلة التاريخية، وجودا وعدما، لا تدل على شيء من أثر أو تأثر، بل تدل على إمكانيات الحقائق الشاملة التي توجد في كل عصر، والتي تظهر في كل حضارة، منهج الأثر والتأثر يقضي على هذه الإمكانيات وينكر وجود معاني مستقلة عن التاريخ.