تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قيل عن التصوف أيضا إنه ناشئ من مصدر خارجي، فهو إيراني نظرا لوجود التشابه بين عناصر التصوف الإسلامي وعناصر أخرى في التصوف الإيراني مثل صور النار، والصراع بين النور والظلمة والمعرفة الإشراقية، وهو هندي أيضا لوجود تشابه بين عناصر التصوف الهندي والإسلامي، مثل الفقر والزهد والورع أو تناسخ الأرواح أو الفناء الكلي، وهو يوناني لوجود تشابه بين بعض الاتجاهات الصوفية في الحضارة اليونانية وعناصر مشابهة في التصوف الإسلامي، مثل النحلة الأورفية والتطهير الفيثاغورسي، وإشراقيات أفلاطون وتأملات طاليس، وشيطان سقراط، وهو أخيرا نصراني؛ لوجود عناصر مشابهة بين التصوف الإسلامي والأخلاق واللاهوت المسيحي مثل الطهارة والتقوى والمحبة والإحسان والدعوة إلى الزهد والتقشف والرهبنة واحتقار الدنيا أو بالقول بالحلول والتجسد، في حين أن التصوف وكل التصوف إن هو إلا رد فعل اجتماعي على مظاهر البذخ والترف في المجتمع، ومقاومة سلبية لحب الدنيا وسيادة الطمع والرغبة في الاستحواذ على كل شيء، وكأن وجود مجرد صلات تاريخية بين الحضارة الإسلامية، وكل هذه الحضارات المجاورة يؤكد هذا الأثر والتأثر، وقد قيل عن أصول الفقه إنه أيضا أثر من آثار المنطق اليوناني، وإن الشافعي، واضع علم الأصول، تعلم اليونانية لهذا الغرض في حين أنه شتان ما بين المنطق اليوناني والمنطق الأصولي، فالمنطق الأصولي يشمل أولا مناهج للنقد التاريخي،

18

ومناهج اللغة في الأصول مرتبطة أشد الارتباط باللغة ولا شأن لها بأبحاث المقولات أو العبارة في المنطق اليوناني، ومباحث القياس الفقهي لا صلة لها بالقياس أو البرهان الأرسطي، فالقياس الفقهي منتج خاص يقوم على التجربة وقياس العلة، في حين أن القياس الأرسطي غير منتج صوري عام، أما منطق الأحكام فليس له ما يرادفه على الإطلاق في المنطق اليوناني الذي هو منطق صوري خالص لا شأن له بالفعل الإنساني، ولكن المستشرق لمجرد أنه رأى منطقا وهو يعلم أن اليونان هم أصحاب المنطق، فإنه يتسرع في حكمه أو يلحق الظاهرة التي يدرسها بالمنبع الذي خرجت منه الثقافات الأوروبية والتي هو جزء منها.

19

وفي علم أصول الدين قيل إنه خضع للأثر والتأثر مع أنه أبعد العلوم عن ذلك؛ لأنه أولها في النشأة قبل عصر الترجمة، وهو أول محاولة للتعبير عن النصوص وفهمها فهما عقليا خالصا، وتحويلها إلى معاني، قيل مثلا إن الأحوال الثلاث، العلم والقدرة والحياة، عند أبي هاشم لا تبتعد كثيرا عن الأقانيم الثلاثة في النصرانية، كما قيل إن الطبع والطباع والطبائع عند الجاحظ والنظام وثمامة وجعفر من آثار الدهرية الفرس، مع أن علم الكلام يفرد أبوابا خاصة للفرق غير الإسلامية ويرد عليها، فأحوال أبي هاشم صفات مطلقة منزهة غير مجسمة أو مشخصة، والطبع عند القائلين به أكبر رد فعلي على تشخيص الطبيعة عند الأشاعرة.

ويرجع منهج الأثر والتأثر إلى نشأة المستشرق في بيئة ثقافية خاصة، هي البيئة الأوروبية التي تخضع ثقافتها للأثر والتأثر ، فقد نشأت الحضارة الأوروبية ابتداء بالبعث اليوناني في أوائل عصر النهضة وإحياء التراث العقلي القديم لإنقاذها من قطعية اللاهوت وسلطان الكنيسة، فكل مذهب فكري حديث له ما يقابله في الفكر اليوناني القديم، ولا يتضح ذلك في الفكر فحسب، بل يتضح أيضا في الأدب والفن والشعر والنثر والخطابة والعمارة والمسرح، فظن المستشرق بانطباعاته الثقافية وتكوينه الفكري أن اليونان هم مصدر كل حضارة، وأن الحضارة اليونانية هي السحر الذي يسري في كل حضارة تتصل به في حين أن علاقتها بالحضارة الإسلامية كانت علاقة رفض أكثر منها علاقة قبول، وإذا قبلت الحضارة الإسلامية منها شيئا فإنما تفعل ذلك بعد عرضه على العقل وإثبات اتفاقه معه، والعقل أساس النقل، ومن ثم فهي تقبل ما يمليه العقل أولا، وكذلك لما توالدت المذاهب الفلسفية في الغرب بعضها من البعض الآخر، وتأثر الفلاسفة بعضهم بالبعض ظن المستشرق أن كل حضارة إنما تنسج على المنوال الغربي وغالبا ما يكون الأثر الغربي هو الأثر الغربي الجيد من منطق وعقلانية وفكر منهجي أو تقوى باطنية وتحليل للأخلاق أو تصور علمي للعالم يقوم على إثبات قوانين الطبيعة واستقلال العقل، كل ذلك أتى من الخارج، ولم ينتج من الداخل إلا الأفكار التقليدية الشائعة التي تعبر عن التخلف الفكري والركود العقلي، وكأن الثقافة لشعب ما وما تنتجه من جديد لا تكون إلا عميلة للغرب وتابعة له وامتدادا لسلطانه، خطأ هذا المنهج إذن هو تفريغ الثقافة المدروسة من مضمونها، وإرجاع الداخل إلى الخارج، والقضاء على جدتها وإبداعها، وهو خطأ ناتج عن تصور العلاقة بين الثقافات على أنها أحادية الطرف، الأولى معطية منتجة مبدعة وهي الثقافة الأوروبية والثانية مستقبلة مجدية فارغة خاوية وهي الثقافة غير الأوروبية، وتعبر هذه العلاقة أحادية الطرف عن عقلية عنصرية، وشعور متمركز على الذات، ورغبة في السيطرة والهيمنة على ثقافات الشعوب وأقدارها.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٤٢