17
وينشأ المنهج الإسقاطي من خضوع الباحث لهواه وعدم استطاعته التخلص من الانطباعات التي تركتها لديه بيئته الثقافية المعينة مع أن التحرر من الأحكام المسبقة العقلية والانفعالية معا هو الشرط الأول للبحث العلمي، وذلك ناشئ عن إيمان المستشرق بثقافته وأنها هي النموذج الوحيد لكل الثقافات وأنه ينتسب إلى حضارة هي مركز العالم، ومحور التاريخ ومصدر الحقائق ومنبع المناهج، ومهد العلوم، قد يرجع ذلك إلى تضخم في الذات الحضارية لدى المستشرق، ونعرة غربية تجعله ينظر إلى الظواهر المدروسة من عل ولا يضعها على نفس المستوى مما يسهل الإسقاط، فالإسقاط في نهاية الأمر هو وضع الآخر في قالب الذات، والحكم بالسواد على ما ليس بأبيض، وكأن العقلية الغربية بإسقاطها في جوهرها عقلية عنصرية هي الأساس للثقافة والدين والفن والعلم والحضارة.
ليس معنى ذلك أن الإسقاط في ذاته لا يؤسس منهجا ولا يعطي رؤية، بل الإسقاط من حيث هو إسقاط لهوى أو مصلحة أو صورة ذهنية بيئية هي الذاتية عندما تتوقف عن أداء دورها في كشف الموضوع، ولكن الذاتية يمكنها أن تتجه نحو الموضوع وتنيره، وتحيله إلى معنى، وفي هذه الحالة تكون الذاتية مصدرا لحدس وأساسا لرؤية وتكون هي الذاتية الخالصة المتجردة عن أي هوى أو مصلحة أو صور ذهنية بيئية، وتراثنا القديم قد مارس هذا التوجه من الذات نحو الموضوع كما هو واضح في علوم التصوف واعتمادها على الرؤية والحدس والإدراك المباشر، وكما هو واضح أيضا في علم أصول الفقه عندما يقوم النص الذي يحتوي على الأصل بتوجيه الشعور نحو العلة المشتركة مع الفرع من أجل تعدية حكم الأصل إلى الفرع، ومناهج الأصوليين في تحقيق المناط وتنقيح المناط وتخريج المناط كلها قائمة على البداية بالذاتية النصية، والقياس الشرعي أيضا يبدأ بتوجيه النص نحو الواقع من أجل رؤيته، والضامن لموضوعية الذاتية هو أنها تعتمد على الوحي باعتباره حقيقة موضوعية مستقلة غير موضوعة من الأفراد الذين قد تغلب عليهم وجهات النظر والمصالح والأهواء والنظريات الأحادية الطرف، كما أن براءة الشعور الأصلية قادرة على توجيه الذات نحو الموضوع دون قضاء عليه أو تزييف له، وهي البراءة التي تعبر عن النية الخالصة من حيث وظيفتها المعرفية. (1-4) منهج الأثر والتأثر
بعد أن يقوم المنهج التاريخي بمهمة الفصم بين مصدر الظاهرة الفكرية، وهو النص الديني، وبين هذه الظاهرة نفسها مرجعا إياها إلى مصدر تاريخي محض، وبعد أن يقوم المنهج التحليلي بمهمة تفتيت الظاهرة الفكرية إلى عناصر وعوامل تاريخية تكون موضوعا اصطناعيا يعادل الظاهرة الفكرية مدعيا تمثيلا لها أو بديلا عنها، وبعد أن يقوم المنهج الإسقاطي بمهمة تفسير الظاهرة الفكرية ابتداء من الصور الذهنية المماثلة أو المخالفة والتي ليس لها إلا وجود ذهني خالص في نفس المستشرق، يقوم منهج الأثر والتأثر بالمهمة الباقية وهي القضاء التام على ما تبقى من الظاهرة مفرغا إياها في مضمونها، ومرجعا إياها إلى مصادر خارجية في بيئات ثقافية أخرى دون وضع أي منطق سابق لمفهوم الأثر والتأثر، بل بإصدار هذا الحكم دائما بمجرد وجود اتصال بين بيئتين ثقافيتين وظهور تشابه بينهما مع أن هذا التشابه قد يكون كاذبا وقد يكون حقيقيا، وقد يكون لفظيا، وقد يكون معنويا، والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد قيل عن الفلسفة الإسلامية بوجه خاص أنها فلسفة يونانية مقنعة وأنها ترديد لما قاله اليونان من قبل، بل ترديد خاطئ يسوده عدم الفهم والخلط التاريخي، وهذا غير صحيح على الإطلاق، بل ويدل على عدم علم بطبيعة العمليات الحضارية التي تحدث كلما تلتقي حضارتان، فالفلسفة الإسلامية لم تأخذ من الحضارة اليونانية إلا اللغة ولكن المعاني المعبر عنها ظلت هي المعاني الإسلامية، فالكندي يرفض قدم العالم ويقول بالخلق، ويرفض استراحة الإله ويقول بالعناية الإلهية، ويرفض الواحد الرياضي ويقول بالتوحيد، ويرفض فناء النفس ويقول بخلودها، وإذا كان الفارابي وابن سينا قد قالا بالفيض فإنهما لم يفعلا ذلك ابتاعا لأفلوطين، بل لاتجاههما الصوفي ونظريتهما الإشراقية التي تؤثر فيها الوحدة على الكثرة والتي يسود فيها القلب على العقل والتي يكون الأولوية فيها للروح على البدن، وابن رشد في قوله بقدم العالم في شروحه على أرسطو يقول بالخلق في التوحيد، ولا يقول بقدم العالم إلا دفاعا عن حرية الفكر واستقلاله ضد إشراقيات الفيض، ويقول بخلود النفس الكلية لا تبعية لأرسطو وخلود العقل الفعال، بل رفضا للتصور الفردي للخلود، وإيثارا للروح الجماعية، وإذا كان الفلاسفة والأخلاقيون قد انتهوا في تعريفهم للفضيلة بأنها وسط بين طرفين أو في تعريفهم للحياة الخلقية بأنها حياة التوازن بين قوى النفس، وهذه هي العدالة، فإنهم لم يفعلوا ذلك اتباعا لأرسطو أو لأفلاطون بل فهما لجوهر الوحي ووضع الفضيلة وتصور الحياة الخلقية فيه، وما دامت الظواهر تفسر من داخلها فلماذا اللجوء إلى الخارج؟ وما دام يفسر وجودها بالعلل القريبة فلماذا اللجوء إلى العلل البعيدة؟