تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقوم هذا المنهج، وهو في الغالب لا شعوري باستبدال الظاهرة المدروسة بظواهر أخرى هي أشكال الأبنية النظرية الموجودة في ذهن المستشرق، يراها في الواقع مخفيا بذلك الظاهرة الموضوعية التي أمامه، والتي كان في نيته دراستها، قد يكون الإسقاط مطلقا عندما لا يرى المستشرق من الظاهرة التي أمامه شيئا ولا يرى فيها إلا صورته الذهنية، وقد يكون نسبيا عندما يرى الظاهرة ولكن يضيع منه تفسيرها الحقيقي وكيفية خروجها من النص الديني، ويعطي بدلا عنه تفسيرا آخر يخضع للأبنية النظرية لصوره الذهنية، فالظاهرة الموجودة بالفعل بما أنها لا توجد كصورة عقلية في ذهن المستشرق فإنه يحكم عليها بالنفي، والظاهرة التي لا وجود لها بالفعل ولكنها توجد كصورة ذهنية عند المستشرق فإنه يحكم عليها بالوجود الفعلي، والشيء الوحيد الموجود بالفعل يصبح خلطا؛ لأن البناء النظري في ذهن المستشرق بناء ثنائي، والشيء المتميز الموجود بالفعل يصبح تفرقة لأن صورته الذهنية في ذهن المستشرق صورة متفرقة، وهكذا يصدر المنهج الإسقاطي أحكاما قيمة يعلي فيها من شأن هذه الصور الذهنية ويقلل من شأن الموضوعات المدركة بالفعل، ويتضح هذا باستمرار خاصة إذا كان موضوع الدراسة نفسه باعتباره مقياسا للظواهر الفكرية يمكن أن يكون مرآة تعكس الصور الذهنية المسقطة عليها من شعور المستشرق، وأن يردها من جديد إلى ذهنه، الإسقاط إذن خطأ في الإدراك يجعل المستشرق في عزلة ذهنية، ويضعه في موقف نرجسي خالص عندما لا يرى في العالم الخارجي من موضوعات إلا ما هو موجود في نفسه كصور ذهنية.

فمثلا يقال عن الإسلام إنه «المحمدية» أو «الإسلامية» في حين أن «الإسلام» اسم لا يحتاج إلى وصف آخر، وقد سماه المستشرق المحمدية كما تنسب المسيحية إلى المسيح، والبوذية إلى بوذا، والكونفوشيوسية إلى كونفوشيوس، والتاوية إلى تاو، وكما يسمى مذهب هيجل الهيجلية، ومذهب ماركس الماركسية، كما ركز المستشرقون كثيرا على حياة محمد، وحاولوا كتابة عدة تواريخ لحياته كما حدث في العصر الحديث بالنسبة لحياة المسيح يميزون فيها بين الواقع والأسطورة، بين محمد التاريخي ومحمد الإيماني، وكثيرا ما تحدث المستشرقون عن الكنيسة الإسلامية أو السلطة الدينية وعلاقاتها بالدولة وعن أن سبب تأخر العالم الإسلامي اليوم هو عدم الفصل بين الدين والدولة مع أن هذا إسقاط من ذهن المستشرق المسيحي من تاريخ الغرب المسيحي ومكاسبه التي نالها من الفصل بين الكنيسة والدولة وتحرر الجماعات من سلطة الكنيسة، وأخذ النمط الغربي على أنه هو النمط العام الذي على أساسه يعاد بناء كل الأنظمة الأخرى، أو اتهام التوحيد الإسلامي بأنه تجريدي خالص لا يمكن فهمه ولا يقاد إليه الذهن ابتداء من رموز حسية وهي الأيقونات، وهذا إسقاط من ذهن المستشرق المسيحي، والحكم على التنويه بالتجريد إسقاطا من التجسيم والتشبيه الذي تعود عليه؛ ولذلك عندما يؤيد التصور الشيعي القائم على التجسيم والتأليه على التصور السني القائم على التنزيه الخالص فإنه إنما يسقط من نفسه مقياس الاختيار، وهو المقياس المسيحي العقائدي، وعندما يقال إن الإسلام دين قوة أو دين مذكر أو دين رجولة أو دين حرب فإن المستشرق إنما يسقط من نفسه تصوره للمسيحية على الأقل نظرا على أنها دين تسامح وحب، ودين سلام وإيمان، فكل حكم نفي يقوم به المستشرق يوم على نفي لما لا يوجد في ذهنه، وكل حكم إيجاب يقوم على إثبات لما يقوم ذهنه، وإذا ما ظهرت حركات تجديد تدعو إلى تغيير الواقع أو إلى إعادة فهم التراث فهما عقلانيا قيل علمانية وإلحادا، وقد نشأ المستشرق في بيئة كهنوتية وينتسب إلى دين كهنوتي فكل ثورة ضد الكهنوت الدخيل على عقليتنا المعاصرة يكون علمانية، كما تعود على تصور أن الله متجسد فكل رفض لهذا التصور لله يعتبره إلحادا! وإذا ما نشأت حركات أخرى تدعو إلى البدء بالواقع وإلى فهم حياة الناس قيل مادية وماركسية؛ وذلك لأن الباحث الغربي تعود على أن الروح شيء وأن المادة شيء آخر، وعلى أن كل من يبدأ من العالم يكون ماديا وكل من يبدأ بحياة الناس وصراعهم يكون ماركسيا، في حين أن تراثنا القديم قد قدم لنا هذا النمط الفكري عند أصحاب الطبائع من علماء الكلام وعند ابن رشد من الفلاسفة، كما أن عديدا من الثورات في تاريخنا القديم مثل ثورة الزنج وثورة القرامطة قد نشأت بدءا بالواقع من أجل تغييره تغييرا جذريا، ولا يحدث هذا الإسقاط من الباحث الأوروبي فحسب، بل قد يحدث أيضا من باحث ينتسب إلى الحضارة الإسلامية ولكنه مثقف ثقافة غربية، ويتبع منطق الغرب في تفكيره، ولم يحاول التنصل منها أو وعي ذاته ومنطق حضارته، فيصير الإسلام في ذهنهم دينا مثل غيره من الأديان، ويقاس على المسيحية، وتنقل دعوات الإصلاح على النمط المسيحي الغربي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٤٠