وقد يستعمل التحليل عمدا للقضاء على الطابع الكلي الشامل، وهو أهم ما يميز الحضارة الإسلامية التي قامت أيضا على وحي كلي شامل؛ فبتفتيت الكل لا يرى أحد الأجزاء المتناثرة، ومن ثم لا تختلف الحضارة الإسلامية عن الغربية في شيء، فكلاهما مجموعة متناثرة من الأجزاء. وقد يستعمل التحليل بطريق لا شعوري تعبيرا عن رغبة دفينة في الهدم وقضاء على الموضوع؛ فالتحليل تفتيت وسحق، يحقق للباحث ما يريد من القضاء على الظاهرة إن أراد، وقد يستعمل التحليل حتى يمكن رد كل جزء إلى أجزاء شبيهة في حضارات معاصرة، ومن ثم يكون التحليل مقدمة لإثبات الأثر الخارجي وتفريغ الحضارة من مضمونها الأصيل.
وقد حاولت المناهج الغربية المعاصرة استدراك الأمر، فظهرت المناهج التكاملية التي تبغي أخذ العوامل كلها مرة واحدة، واستبعاد التفسير الأحادي للظاهرة، كما ظهرت مناهج «الجشطلت» تعطي الأولوية للكل على الأجزاء، ونشأ منهج وصف الظواهر يعطي أيضا الأولوية للكل على الأجزاء، ويجعل من الظواهر الفكرية ماهيات مستقلة عن عواملها المادية، بل ونشأت مذاهب فلسفية كاملة، مثل مذهب هيجل تقوم على وصف الكل وأن الأجزاء ما هي إلا تعيينات للكل الذي يتطور ويظهر في الأجزاء، ويتجلى وينكشف على مسار التاريخ، ولكن المستشرق نادرا ما يأخذ بيئته الثقافية موضعا للدراسة والتأمل، ونادرا ما يحلل شعورها الخاص لرؤية عملياته، يخضع لمؤثرات بيئته، ولا يحاول التحرر منها بالرغم من النداءات المعاصرة والتنبيه على الأخطار، ولكن في الشرق، وفي رحلاته إليه، بل وفي رغبته في التخصص الدقيق، والبحث المنمق، ينسى الكل وراءه أو فوقه، لم يتابع المستشرق في منهجه التحليلي أي مناهج تحليلية في القرن العشرين، تحليل اللغة، تحليل المفاهيم والتصورات، تحليل المنطق، تحليل الرموز، تحليل المعطيات الحسية، تحليل التجارب الشعورية، التحليل النفسي، التحليل العاملي ... إلخ، أي أنه حتى في تحليله التاريخي انعزل عن الفلسفة التحليلية، وهي إحدى فلسفات العصر الرئيسية، كرد فعل على المناهج التركيبية والنظرات الشمولية والمذاهب الشامخة التي سادت القرن التاسع عشر، وكان بإمكانه الاستفادة من كل هذه المناهج التحليلية الفلسفية؛ لأنها أكثر قدرة على تحقيق أهدافه الثابتة وأكثر تعبيرا عن عقليته الغربية، وقد تكون المناهج التحليلية المعاصرة على مشارف الانتهاء بحدوث رد فعل عليها والعودة إلى النظرة الشاملة للأمور، ولكن المنهج التحليلي الاستشراقي باق لا يتغير، ومستمر منذ نشأة الاستشراق حتى الآن، فالاستشراق لا يحدث ردود فعل على نفسه، فهو الفعل ورد الفعل معا، وأي مستشرق يرفض المناهج التحليلية ويحاول إعطاء نظرة شاملة، فإنه يتعسف في النظرة، يركبها طبقا لهواه أو لأحكام عامة على الحضارة بالجدب، وعلى الدين بالجمود، وعلى الوحي بالاضطراب والاختلاط، وعلى التوحيد بالتجريد، وعلى العقائد بالقضاء والقدر، وعلى الشعوب بالتخلف.
وليس معنى ذلك أن المنهج التحليلي في ذاته عقيم، ففي تراثنا القديم نماذج من التحليلات التي تكشف عن البناء الكلي، بل إن التراث كله قائم على نظرية في التحليل، تحليل الوحي إلى مراحل، وتحليل العقائد إلى أصول، وتحليل أصول الفقه إلى أدلة، كل علم يقوم على تحليل، وأوضح مثل على ذلك علم أصول الفقه وعلوم التصوف، ففي علم أصول الفقه تحليل الشعور التاريخي، وتحليل مناهج الرواية، وتحليل الألفاظ، وتحليل الأحكام، وفي علوم التصوف تحليل الأحوال والمقامات، وتحليل مراحل الطريق الصوفي، ولكن التحليل هنا هو التحليل التكويني الذي يكشف عن البناء العام أو التحليل الارتقائي الذي يبين مراحل التكوين، وليس التحليل التجزيئي الذي يقضي على بناء الظاهرة وينفي وجودها. (1-3) المنهج الإسقاطي