تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا المنهج مخالف تماما لطبيعة الظاهرة الفكرية المدروسة التي تكونت أساسا من تحويل النص الموحى به إلى معنى، والمعنى إلى بناء نظري؛ ففكرة العوامل التي تحدد تكوين الظاهرة وتتحكم فيها وفكرة العناصر التي تتكون منها مادة الظاهرة لا يمكن أن تساعد على فهم الظاهرة الفكرية التي نشأت طبقا لمنهج في تفسير النصوص، أي طبقا لمنطق في فهم الوحي، وحسب منطق عقلي آخر حدد طبيعة البناء النظري للظاهرة الفكرية الناشئة من تحول الوحي إلى حضارة ليست ظاهرة مركبة تركيبا صناعيا من عناصر ووقائع مادية أنشأتها عوامل تاريخية، بل ظاهرة معنوية نشأت من تحول النص الديني في شعور المفكر إلى المعنى، فهي امتداد للنص الديني على مستوى الفكر.

والأمثلة كثيرة على ذلك؛ فعديد من الدراسات عن المسائل الجزئية في علم الكلام لا تعطي نظرة شاملة على أساس هذا العلم ولا تدرك جوهره، فيمكن دراسة عدة جوانب من التوحيد كالتأليه أو التجسيم أو التشبيه أو التنزيه مع إعطاء مئات من الآراء عن كل منها، ولكن ذلك كله لا يجعلنا ندرك ماهية التوحيد أو عملية التوحيد أو عمليات الشعور التي وراء النظريات الجزئية. كذلك عديد من الدراسات الجزئية عن عصر الترجمة وأسماء المترجمين وعناوين ترجماتهم لا تعطي كلا شاملا عن معنى الترجمة والدور الثقافي الذي قامت به في تمثيل الفكر الأجنبي وتمثله واحتوائه داخل لغة الحضارة الجديدة، ونشأة لغة جديدة للتعبير بها عن المعاني الواردة. ونظريات متفرقة من هذا الفيلسوف أو ذاك في علمه أو فلسفته أو طبه أو رياضياته لا تكشف عن حدس الفيلسوف ومنهجه وتصوره الذي يحاول به التعبير عن الوحي. وتحليلات متفرقة عن القيم الصوفية والأحوال والمقامات لا تكشف عن التصوف كقصد عام وموقف كلي من الحياة وتيار خاضع لظروف اجتماعية ينشأ بوجودها ويختفي بعدمها. وتحليلات جزئية لمناهج الرواية لا تكشف عن المناهج العامة للنقد التاريخي التي وضعها علماء الحديث والأصول، وتفريعات متناثرة عن اللغة لا تكشف عن منطق اللغة والصلة بين اللفظ والمعنى والشيء، وتقسيمات لا تنتهي لأنواع العلل لا تكشف عن الصلة بين الوحي والواقع أو بين النص والعالم، ونظريات متناثرة عن العلوم العقلية الإسلامية لا تكشف عن بناء عام للحضارة الإسلامية وتطورها، تظهر فيه الحضارة كوحدة عضوية واحدة.

وقد نشأ تفتيت الظواهر إلى عناصرها الأولية من عقلية الباحث الغربي ومزاجه وثقافته وبيئته وطبيعة الدين الذي نشأ فيه وطريقة تحوله إلى حضارة عن طريق الرفض وردود الفعل؛ فطبقا للمسيحية التي يعتنقها عديد من المستشرقين يمكن تقسيم الظاهرة إلى عوامل دينية وأخرى غير دينية؛ لأن الدين لا ينظم إلا جانبا خاصا من جوانب الحياة وهو الجانب الروحي، وما سوى ذلك فهو الجانب المادي لا شأن للدين به. هناك إذن عامل ديني وعامل غير ديني يشمل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فإذا نظر المستشرق إلى نشأة الفرق الإسلامية فإنه يحكم بأن هذه النشأة سياسية وليست دينية، في حين أن الوحي الإسلامي بطبيعته لا يفرق بين الدين والواقع، والعامل السياسي عامل ديني، والعامل الديني عامل سياسي واقتصادي واجتماعي ... إلخ. وعندما رفضت العصور الحديثة في الغرب كل الموروث القديم عن طريق رد فعل هائل ضد السلطة الموروثة، ظهرت الأفكار الجديدة من خلال ظروفها الاجتماعية وبيئتها الثقافية؛ فمنها ما نشأ نشأة سياسية، ومنها ما نشأ نشأة اجتماعية، ومنها ما نشأ نشأة اقتصادية. وهكذا يمكن تفسير نشأة الأفكار وتطورها منذ عصر النهضة حتى الآن في الثقافة الغربية عن طريق البحث عن العوامل التي سببت نشأتها. ويجوز في كثير من الأحيان تفسير الظاهرة بعامل واحد، وبذلك تنشأ العقلية أحادية الطرف تتقلب على العوامل، واحدا تلو الآخر، لا تستقر على حال، وانتقلت الثورة على الموروث إلى هذا الموروث ذاته تبحث عن مصادره فتحللت النصوص الدينية وتفتت إلى مصادرها في تاريخ الأديان أو تاريخ المجتمعات القديمة، وثبت أن ما ظنه الناس قرونا طويلة وحيا أنه ليس كذلك، بل مجموعة من كتب التاريخ القصصي والأساطير. تحللت النصوص ورجعت كل فقرة إلى مصادرها في بابل أو آسيا الصغرى أو مصر، وظهرت بواعث التأليف سياسية واقتصادية واجتماعية. ولما أثبت التحليل جدارته في النصوص الدينية في الغرب ولما كان المستشرق في النهاية باحثا غربيا نشأ وتكون في الثقافة الغربية ظن أن ما حدث في بيئته لا بد وأن يكون قد حدث ضرورة في كل بيئة أخرى، وهذا هو خطر تعميم الجزء على الكل. لقد سارت العقلية الأوروبية في المناهج التحليلية لأنها اصطدمت بمعطيات مركبة أضرت بها وبواقعها، وكان لزاما عليها تحليلها للكشف عما إذا كانت معطيات صحيحة أو باطلة، فالتحليل باعث في الشعور الأوروبي كوسيلة للكشف عن الزيف والبطلان.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٣٨