15
لا بد للفلسفة الإسلامية إذن من الفكرة الموجهة ومن فرض أولي حتى يمكن إحياء المادة وفهمها وعدم تكرارها، فكما أن الطبيعة لا تتحدث بل يشع فيها نور العقل فتصبح معقولة، كذلك مادة الفلسفة الإسلامية لا تعرض نفسها وتحتاج إلى فرض يمكن شرحها وبيانها وإلا لصارت جزءا من التاريخ العام أو تاريخ الفرق، ويصبح الفلاسفة مادة في كتب الطبقات، مهمة التجديد أنه باستطاعته اقتراح الفروض، وإلقاء وجهات النظر التي يمكن العثور عليها إما من الوحي وهو المصدر أو من العقل وهو الأساس أو من الواقع وهو المحك أو القياس.
وفي النهاية، يمكن للباحث ابتداء من الإخبار أن يقوم بإعادة البناء، فإذا استطاع بالإخبار أن يحصل على مادة مثالية للحضارة وليس على مجرد وقائع تاريخية لا دلالة لها فإنه يمكنه بعد ذلك أن يقوم بالخطوات الثلاث الآتية: (1)
أن يقوم الباحث بجمع المادة الفكرية اللازمة إما لإرجاعها إلى أصولها في الوحي أو لإعادة بنائها في العقل دون نقد أو تمحيص أو تدخل شخصي من الباحث، خاصة إذا كان مجددا همه الأول هو عرض الموضوعات أو النظريات أو العلوم وترتيبها وتصنيفها دون أدنى تفسير من جانبه، يكفيه لذلك أقل درجات الوضوح العقلي وهذا ممكن بالرجوع إلى الوحي كنقطة ارتكاز. (2)
أن يقوم الباحث بتجاوز الترتيب والعرض إلى النقد والتمحيص محللا وناقدا، عارضا ومقترحا، مؤيدا ومهاجما إما بالنظر إلى الأصول في الوحي أو بالنظر إلى الفهم الشخصي للباحث أو ذوقه الفلسفي أو اتجاهه العلمي أو واقعه الاجتماعي، وغالبا ما يتعرض هذا النوع إلى خلط بين الأصول نفسها وبين المزاج الشخصي للباحث أو انتسابه المذهبي، وفرق بين النقد والتجديد، فكثيرا ما يتوجه الباحث في آخر مشكلة بعد أن يعرضها عرضا تاريخيا - مقررا بذلك مادة محايدة لا دخل له فيها - كثيرا ما يتوجه بالنقد المعتمد على قضايا الدين ومسلماته، وفي أحسن الأحوال على النظر العقلي والذوق السليم، كما يعتمد أحيانا على الذوق الفلسفي والمذهب الفكري الذي ينتسب إليه الباحث، وهذا ليس هو المطلوب إذ إن هذه الطريقة التي تقرر مادة محايدة وهي في الحقيقة ليست كذلك، والتي يلحق بها نقد خارجي لا يجدي تقع في خطأين: خطأ التقرير وخطأ النقد الخارجي. (3)
أن يقوم الباحث بعمل موضوعه من جديد باعتباره مفكرا أو فيلسوفا أو عالما، يحاول أن يبنيه من أساسه مستنيرا بالأصول ومستعينا بالمادة العلمية التي عرضها الباحث الأول، والتي نقدها الباحث الثاني، ولكن جهده يتركز أساسا على تكوين الموضوع وبنائه باعتباره مؤلفا كالمؤلفين السابقين، المطلوب من الباحث الدخول في المشكلة القديمة وإعادة وضعها كموقف التزم فيه بفكر التراث وأخذ موقفا منه، وبذلك يبدو الباحث متسقا مع نفسه، وممثلا لحضارته، يحاول الباحث المجدد أن يعيد بناء الموقف القديم بثقافة العصر، وسرعان ما يجد موقفا يحتمه عليه فهمه الجديد للوحي يستطيع بعد ذلك أن يقارن بين حلول التراث وأن يبني مواقفه من جديد؛ لأن الحدوس الفلسفية واحدة تتكرر في كل عصر وبكل لغة وفي كل ثقافة، وهي معادلة صعبة أن يجمع الباحث بين التاريخ والفكر فلا تهمنا الوقائع التاريخية بقدر ما يهمنا الفكر والتحليل النفسي للأفكار ومدى أثرها وفاعليتها في الجماهير عن طريق إعادة بناء الموضوع نفسه في الشعور وتجربته على الباحث - نفسه؛ وعلى هذا النحو يتم الخلاص من عيوب المنهج التاريخي.
16 (1-2) المنهج التحليلي
يقوم هذا المنهج على تفتيت الظاهرة الفكرية إلى مجموعة من العناصر يتم التأليف بينها في حزمة لا متجانسة من الوقائع أو العوامل التي أنشأتها، فالظاهرة الفكرية ظاهرة مركبة تركيبا صناعيا يمكن تحليلها إلى عناصرها الأولية حتى يتم توضيحها وفهمها، فإذا كان المنهج التاريخي يقوم باستبدال واقعة مادية بالظاهرة الفكرية، فإن المنهج التحليلي يقوم بعد ذلك بتفتيت هذه الواقعة الصناعية وردها إلى عناصرها الأولية أو الاجتماعية أو السياسية أو الدينية، وهكذا أصبح العنصر الديني مع أنه هو الدافع الأول لتكوين الظاهرة عنصرا مساعدا لبقية العناصر، ضامرا، متقوقعا على نفسه، يتدخل فيما لا يعنيه.