18 (ز)
الاتهام بالإلحاد هو في نهاية الأمر دفاع السلطة الدينية والسلطة السياسية عن أوضاعهما الخاصة، ومعارضة كل منهما لأي تغير جذري ينشأ من الثقافة الوطنية، يبغي تغيير الواقع العريض الذي تعيش عليه الأغلبية، فالسلطة سياسية أم دينية تعلم أن الجماهير متدينة، ومن ثم تقوم بتملقها ونفاقها واتهام كل من يريد الدفاع عن مصالحها بالإلحاد حتى تنقلب الجماهير عليه وتظهر السلطة على أنها المدافعة عن مصالحها! وفي تراثنا القديم شواهد على ذلك، فكل دعوة إلى الطبيعة المستقلة، والعقل المدرك، والفعل الحر، ومسئولية الإنسان، والعدل الاجتماعي، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كانت تتهم أيضا بالإلحاد والكفر، و«التراث والتجديد» هو محاولة لإعادة الاختيار في فكرنا القديم. (2)
فإن قيل: إن «التراث والتجديد» سيؤدي حتما إلى حركة علمانية، وفي العلمانية قضاء على تراثنا القديم، وموروثاتنا الروحية، وآثارنا الدينية، وقد نشأت العلمانية في الغرب استجابة لدعوى طبيعية تقوم على أساس رفض الصور الخارجية، وقسمة الحياة إلى قسمين، واستغلال المؤسسات الدينية للجماهير، وتواطؤها مع السلطة، وحفاظها على الأنظمة القائمة، نشأت العلمانية استردادا للإنسان لحريته في السلوك والتعبير، وحريته في الفهم والإدراك، ورفضه لكل أشكال الوصاية عليه، ولأي سلطة فوقه إلا من سلطة العقل والضمير، العلمانية إذن رجوع إلى المضمون دون الشكل وإلى الجوهر دون العرض، وإلى الصدق دون النفاق، وإلى وحدة الإنسان دون ازدواجيته، وإلى الإنسان دون غيره، العلمانية إذن هي أساس الوحي، فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ تظهر في لحظات تخلف المجتمعات وتوقفها عن التطور، وما شأننا بالكهنوت، والعلمانية ما هي إلا رفض له؟ العلمانية في تراثنا وواقعنا هو الأساس واتهامها باللادينية تبعية لفكر غريب، وتراث مغاير، وحضارة أخرى. (3)
فإن قيل: إن «التراث والتجديد» يتحدث عن التحليل الطبقي للمجتمع، ويرفض سلطة الطبقة وفكر الطبقة، كما يهدف إلى تغيير الواقع العريض، والدفاع عن مصالح الجماهير، وهي الطبقة العاملة، وهذه هي «الماركسية» بعينها، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فما زالت مأساتنا في الاتصال بالتراث الغربي هو أننا نأخذ تياراته واتجاهاته ونفصلها عن واقعها ثم نقذف بها خارج الحضارة الغربية إلى الحضارات الأخرى ونعممها وكأنها نتائج العلم التي لا ترد، الماركسية تحليل صائب للمجتمع الأوروبي الرأسمالي في القرن التاسع عشر، وحركة تغيير جذري له كذلك، ففكر الطبقة وثقافتها أمر واقع بيننا نلمسه، وسلطة الطبقة في مجتمعنا أمر نعاني منه كل يوم، ومصلحة الطبقة هو الموجه لسلوك السلطة، فهذه وقائع بديهية من واقعنا المعاصر لا تحتاج إلى نقل حضاري أو إلى صفات وأسماء مستعارة، ونخطئ أشد الخطأ في أبسط القواعد العلمية عندما نظن أن العلم ينقل ولا ينشأ، وأن العالم يستعير ولا يحلل، والمخطئ في ذلك إما إنسان تعفن في القديم ولا مخرج له منه أو جهل الحضارات الأخرى ولم يعرفها إلا بالدعاية أو انفصل عن واقعه ولم يعلم مكوناته، واتهام «الماركسية» مثل اتهام «الفينومينولوجية» ما دامت الظواهر يتم تحليلها على مستوى الشعور وكأن كل ما يحدث في فكرنا القومي لاحق بفكر غيره، وأننا سنكون باستمرار مهمشين على نصوص غيرنا ولسنا مؤلفين لنصوص. (4)
فإن قيل: إن «التراث والتجديد » يقضي على موضوعية الأصول وعلى استقلالها عن الزمان والمكان، والعقائد دائمة ثابتة لا تتغير، وتصور «الله» لا يتأثر ولا يتغير بتغير الظروف الاجتماعية، وهذا التخوف أيضا لا أساس له لأن «التراث والتجديد» عملية حضارية تلقائية مهمتها إعادة التفسير، ولا تتحدث عن الأشياء في ذاتها مثل «الله»، لا يخرج «التراث والتجديد» عن التصورات العقلية المحتملة للموضوعات، أما الموضوعات نفسها فموضوعه بين قوسين، التفسير عملية تغيير المعاني طبقا للمعنيات، وتغيير الدلالات بتغير المدلولات، وهي عملية ذاتية خالصة لا تهدف إلى إصدار أحكام على الوقائع، بل هو عمل أيديولوجي خالص لا يخرج عن نطاق الأفكار، هي عملية إحداث تغيير في تصورات العالم وتغيير مواقف واتجاهات إنسانية، «التراث والتجديد» يتعامل مع العالم الإنساني وحده، بل إنه يمكن اتهام «التراث والتجديد» بأنه عملية ذاتية خالصة لا تخرج عن نطاق النظرة الإنسانية، ولكن الاتهام مردود لأن إحداث التغيير في النظرة الإنسانية هو بداية إحداث التغير في العالم.