إن قضية «التراث والتجديد» قضية عامة لا تخص حضارة بعينها، وإن كانت هنا مطبقة على تراثنا القديم، وقد حدث ذلك في التراث الأوروبي في كل عصر خاصة في العصر الحديث، كما تحدث في كل جيل تقريبا عندما يحاول إيجاد الأساس الشعوري للظواهر، وفي التراث الأوروبي المعاصر نشأت نزعات التجديد باكتشاف الذاتية، واكتشاف الأساس الذاتي للظواهر الدينية الموضوعية، وتتعرض الآن كل المجتمعات النامية لهذه العملية، ولا يعني أن هناك نموذجا واحدا لها بل تقوم كل حضارة بها طبقا لما لديها من تراث وما تبتغيه من تجديد، وما توجد فيه من واقع تعيش عليه، وهي الآن مسئولية جيلنا.
| ثالثا: أزمة المناهج في الدراسات الإسلامية
«التراث والتجديد» أيضا تعبير عن أزمة أخرى، وهي أزمة الدراسات الإسلامية في الجامعات والمعاهد العليا، فإذا كانت أزمة التغيير أزمة الثورة في واقعنا، فإن أزمة الدراسات الإسلامية هي أزمة البحث العلمي؛ لذلك كان «التراث والتجديد» تعبيرا عن أزمتين: أزمة التغيير الثوري، وأزمة البحث العلمي.
وترجع أزمة الدراسات الإسلامية إلى انفصال في شخصية الباحث بين المسلم والباحث، فهو مسلم من ناحية بمعنى أنه مستسلم للواقع الذي يعيش فيه، وهو باحث من ناحية أخرى يدرس التراث بنظرة محايدة، وكأنه يدرس ظواهر تاريخية خالصة لا شأن له بها في حين أن التراث، كما عرضنا، قضية شخصية للباحث لأنه ينتمي إليه فكرا وحضارة ولغة ومصدرا ومصيرا، ويحدث هذا الانفصام إما عن تصور للإسلام على أنه مجموعة من العقائد لا شأن لها بالبحث العملي مما يجعل الباحث العلمي يتبنى أي منهج علمي من الخارج، أو من عدم إحساس بالإسلام كلية واعتبار أنه هو الباحث العلمي وأن الإسلام لا يعطيه شيئا، وقد ينشأ ذلك من التغرب (انحراف الشعور نحو الغرب) وتقليد مناهجه العلمية التي نشأت كرد فعل على معطاها الديني الخالص وهو المسيحية، أو من حالة الركود العامة في التصور الإسلامي للحياة وفي الدراسات الإسلامية التي لم تستطع أن تعطي الباحث مقابلا للمناهج الغربية، ينشأ هذا الموقف الثالث في الانفصال عن تراثنا القديم وتبعيتنا للتراث الغربي، وتكون النتيجة أن يتخرج مئات الشباب وهم مشتتون حانقون غاضبون لم تحل مشاكلهم في البحث عن منهج يمكنهم بواسطته حل جميع مشاكلهم الوطنية والثقافية والعلمية، ويتخرجون والقديم ما زال طلاسم لم تنفك عقده، والجديد ما زال معروضا كرقائق من الفطائر، كل منهم يسرع بشفقة يعلن عن وجوده من خلالها، وتشتد الحيرة، ويزداد التخبط، وتنتهي الثقافة، وينتهي بهم الحال إما إلى الرجوع إلى الماضي بعبله، والتزمت، والتشدد، والتعصب، والتصوف أو الذهاب إلى الجديد بعبله دون فهم منه له، ويكتفي بترديده دون مراعاة لاختلاف البيئة والظروف واللحظات التاريخية، ويتنصل الإنسان من ماضيه خاصة إذا لم يشعر بأنه جزء منه لاختلاف دينه مع تراثه، وكثيرا ما يؤدي التغرب الثقافي إلى الهجرة الفعلية - بعد هجرة الشعور - أو يظل مشتتا بينهما دون القدرة على أخذ موقف حضاري له، فهو ملفق مرة وخالط مرة، ويظل خائفا بين الاثنين.
ولما كان كل خطأ في الحكم ينتج أساسا عن خطأ في المنهج، وكل كشف جديد يأتي أيضا عن كشف في المنهج فإن الحالة الحاضرة للدراسات الإسلامية والأحكام التي تصدر عليها تكشف عن أزمة في مناهج الدراسة، وتتلخص هذه الأزمة أساسا في عدم تطابق المنهج المتبع مع موضوع الدراسة نفسه خاصة إذا كان الموضوع نفسه منهجا أو يحتوي على منهج كامن فيه، وإن الغالب على هذه المناهج المتبعة أنها إن لم تكن مضادة تماما لطبيعة الموضوع ومنهجه فإنها على الأقل لا تتفق معه، هذه المناهج ليست مدروسة من قبل، وليست مطبقة عن وعي كامل، ولكنها شائعة بين المشتغلين بالدراسات الإسلامية، ورثوها إما عن طريق التقليد للدراسات الموجودة حاليا سواء من المستشرقين أو الدارسين المسلمين أو عن طريق الاستسلام للعادة والأخذ بأضعف الإيمان أو رغبة في الحصول على ركن من أركان العلم يستأثر به صاحبه ويعلن عن نفسه من خلاله ويمنع الآخرين من الاقتراب منه بعد أن أصبح حكرا عليه، أو رغبة في كسب، أو طمعا في منصب، أو حصولا على درجة بديلا عن الفكر في صورة كتاب مقرر، وهنا يسقط شرط العلم الأساسي وهو البحث، ويتحول التأليف إلى ظاهرة غير علمية دون تفكير جدي في المنهج المتبع للباحث، ماذا يريد بدراسته وإلى أي شيء يهدف؟ لذلك فإن إعادة طرح مسألة التفكير المنهجي فيما يتعلق بالدراسات الإسلامية يمكن بواسطته إحياؤها من جديد لتجنب الأحكام الخاطئة الشائعة ولربطها بحياة الدارسين القدماء أو الجدد، ما دام التراث قضية وطنية، وبالتالي قضية شخصية وجماعية، ولصبها داخل الثقافة الوطنية وعلى هذا النحو تتحرك قضية الموروث، وتحيي في أذهان الباحثين شبابهم، وذلك بالبدء بالتفكير المنهجي.