ليس المقصود من الوحي إثبات موجود مطلق غني لا يحتاج إلى الغير، بل المقصود منه تطوير الواقع في اللحظة التاريخية التي نمر بها، والتي تحتاج إلى من يساعدها على التطور، وإذا كان التراث القديم قد غرق في مثل هذا الإثبات فلأن هذا الإثبات كان موضعا للشك أو للهجوم من الحضارات المجاورة، ولم تكن هناك حاجة إلى التطور لأن المجتمع كان متطورا ومنتصرا لا يهاجم في الأرض والثروات - كما هو الحال حاليا - بل في الفكر والتصورات، وهو أيضا موضوع هجوم حالي، فلا نحن أنشأنا فكر المقاومة ونظريات التحرر، ولا نحن عبرنا عن الأصالة، وقلبنا الآية، وبينا حدود الثقافة الغربية، وأخذنا منها موقفا نقديا شاملا، فالإلحاد بهذا المعنى تطابق مع الواقع، ووعي بالحاضر، ودرء للأخطار، ومرونة في الفكر، وفضح لشتى ألوان الاستعمار والسيطرة على كل المستويات، ويسعد الغرب اتهام كل محاولة للتوعية الثقافية وللمواقف الحضارية المستنيرة بالإلحاد لأنه يبغي المحافظة على الإيمان القديم، ويزايد على أهل الدار، فذاك يسهل عليه ما يريد، ويحقق له أهدافه في السيطرة. (ج)
ليس المقصود من الوحي هو التحول النظري والإعلان باللسان، فالإيمان بناء نفسي للفرد وبناء اجتماعي للواقع، والحكم على شخص أو على واقع بالإيمان هو حكم مضمون وليس حكم صورة صوتية أو مرئية، وهي مسألة عرض لها تراثنا القديم، وساد الإيمان بالقول على الإيمان بالعمل، ومن ثم يكون الإلحاد بهذا المعنى هو تحول للاختيار القديم من القول إلى العمل، ومن النظر إلى السلوك، ومن الفكر إلى الواقع، واختيار الطريق الصعب، طريق الشهادة، وترك طريق الادعاء والمنصب والمزايدة، يكون الإلحاد هو انتقال من الصورة إلى المضمون، ومن الشكل إلى الجوهر. (د)
نظرا لطول الألفة للمعاني الشائعة للإيمان فإن كل ما يخرج عليه يوصف بالإلحاد، وهذا غير صحيح، فمنذ متى كانت المعاني الشائعة أساسا للمعاني المضبوطة ويحكم العرف استعمال اللغة؟ إن مهمة المفكر الواعي هو هذا التمييز بين المعاني الأصلية والمعاني العرفية، وإلا تركنا اللغة يتحكم فيها العرف، ويضيع الفكر، وتتوقف عملية التطور الحضاري، لطالما تضيع المعاني بكثرة الاستعمال، حتى تتحول إلى المعاني المضادة ومن ثم تفقد الألفاظ قدرتها على التعبير، وتكون حينئذ مسئولية المفكر العودة إلى المعاني الأصلية، فالإلحاد هو المعنى الأصلي للإيمان لا المعنى المضاد، والإيمان هو المعنى الذي توارده العرف حتى أصبح بعيدا للغاية عن المعنى الأصلي، إن لم يكن فقدا له. (ه)
نظرا لخروجنا حديثا من المجتمع الإقطاعي، ووجودنا في مجتمع برجوازي فإن تصورنا بإيمان يخضع لتصور المجتمع الإقطاعي القديم والبرجوازي الجديد، وهو أن الإيمان هو الحفاظ على الموروث، والإبقاء على الوضع الراهن، والدفاع عن التقليد، وحماية مصالح الطبقة ، ونظرا لضياع الدولة الإسلامية ينشأ التعويض في التطرح بالبياض أو التلحف بالسواد، ونظرا لغياب الممارسة ترتفع مكبرات الصوت في الآذان، وتكثر البرامج الدينية في أجهزة الإعلام جنبا إلى جنب بجوار فن الإثارة والجنس، وهكذا يكون الإيمان تغطية وتعمية عن شيء آخر مخالف لمضمون الإيمان، ويكون الإلحاد هو كشف القناع، وفضح النفاق، وتعرية الواقع، وعود إلى المعنى الأصلي، ورفض للتواطؤ، وقبول للشهادة. (و)
نظرا لاتصالنا بالحضارة الغربية، فإن تصورنا للإيمان والإلحاد يخضع لما يفد علينا من تصورات المجتمع الرأسمالي للدين في حين أن حركات الإلحاد في الفكر الغربي أقرب إلى جوهر الإيمان، ولكننا نظرا لتقليدنا للغرب، وتبعيتنا الثقافية له، نردد مفاهيمه ونظرياته، ونفصلها عن محليتها وظروفها ومادتها العلمية، ونعممها على غيرها، ونحن ضمن هذا الغير، فنضع أنفسنا تحت غطائه النظري في حين أن واقعنا مخالف، ومادتنا العلمية مغايرة، وظرفنا التاريخي مختلف، فما اعتبروه إيمانا هو في الحقيقة بالنسبة لنا إلحاد، وما اعتبره إلحادا هو بالنسبة لنا إيمان.