تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15 (8)

ولا يعني «التراث والتجديد» أخيرا محاولة تقوم بها الطبقة البرجوازية أو من ينتمي إليها والتي تشغل نفسها بالثقافة دون الواقع بعد أن اطمأنت لكفايتها المادية منه والتي تشغل نفسها بالنظر دون الممارسة العملية بعد أن جعلت نفسها ممثلة لثقافة الجماعة والحريصة على حقها، وذلك لأن العمل الثقافي جزء من بناء الواقع وفهم له، وهو ليس عملا للبرجوازية حتى ولو كانت وطنية، بل هو عملية لطليعة الطبقة العاملة؛ لأنه إعادة لتفسيرات التاريخ من وجهة نظرها وبناء على متطلباتها، والمثقفون جزء من الطبقة العاملة فالعمل هو الممارسة العامة لكل فعل يهدف إلى تغيير الواقع، ومهما يكن من شيء فنحن مثقفي هذا العصر ما زلنا ننتسب إلى الطبقة المتوسطة، ولكنها طبقة وطنية تنتسب إليها ببنائها النفسي وتكوينها الثقافي ولكن اختيارها من الطبقة العاملة، وما زال أمامها دور لم تؤده بعد،

16

والذي يقود العصر الآن هو يمين البرجوازية لا يسارها أي البرجوازية التي ورثت الإقطاع القديم، وترفع الشعارات، وتتستر وراءها من أجل الحصول على مكاسب خاصة بطبقتها متمثلة ثقافة وطنية تفسرها لمصلحتها الخاصة، ودون تبني أي ثقافة خارجية، بل تتهم كل ثقافة خارجية تهدد مكاسبها الطبقية بالأفكار المستوردة الهدامة، ويمين البرجوازية هو الجناح الخائن من الطبقة المتوسطة، ولا يقل خيانة عن الجناح العميل المباشر، أما طليعة الطبقة المتوسطة التي تنتسب نفسيا ونضاليا إلى الطبقة العاملة فإن بإمكانها أن تقوم بعملها النظري في «التراث والتجديد» وأن تناضل بالفعل، وأن تجند الجماهير، وأن تمارس السياسة يوميا من أجل تحقيق أيديولوجيتها، النظر والعمل واجهتان لشيء واحد ويمكن القيام بالمهمتين معصا، ولو استعصت الممارسة في وقت ما، فعلى الأقل يتم البناء النظري من خلال التراث والتجديد، وهو الوقت الذي تحتكر فيه السلطة في البلاد النامية العمل السياسي، وتجعل من ممارسة الشعب له ضربا من الخيانة والخروج على نظام الدولة.

17 (3-2) مخاوف من النتائج

وبالإضافة إلى هذه الشبهات توجد أيضا عدة مخاوف من بعض النتائج التي قد يحدثها «التراث والتجديد» مما تجعل الناس يتحرزون منه منذ البداية، والكف عما لا تحمد عقباه مدعاة للأمان، وهي في الحقيقة مخاوف وهمية لا حقيقة لها، بالإضافة إلى أنها ستنتج ضرورة بتطور الحضارة الطبيعي عاجلا أو آجلا، والأفضل أن تنتج عن عملية حضارية واعية لا عن نفضة ادعائية، وضجة مفتعلة، وصخب لا ينتج عنه شيء. (1)

فإن قيل: إن «التراث والتجديد» سيؤدي لا محالة إلى الإلحاد لأنه يعني إعطاء الأولوية للواقع على الفكر، وإعطاء التاريخ الصدارة على الوحي، والقضاء على استقلال العقائد كموضوعات لها صدقها الداخلي النظري بصرف النظر عن صلتها بالواقع العملي، قلنا: إن مقولتي الإلحاد والإيمان مقولتان نظريتان لا تعبران عن شيء واقعي لأن ما يظنه البعض على أنه إلحاد قد يكون هو جوهر الإيمان، وما يظنه البعض الآخر على أنه إيمان قد يكون هو الإلحاد بعينه، بالإضافة إلى أن مقولات الإلحاد والعلمانية التي نشأت في حضارات أخرى ورفضها تراثنا القديم وبعض الحركات الإصلاحية الحديثة هي في صميمها التجديد الذي هو مضمون تراثنا القديم، فمعنى الإلحاد في الحضارة الغربية يعني الإيمان في تراثنا القديم، ويكفي أن نعلم: (أ)

ليس للعقائد صدق داخلي في ذاته، بل صدقها هو مدى أثرها في الحياة العملية وتغييرها للواقع، فالعقائد هي موجهات للسلوك، وبواعث عليه لا أكثر، وليس لها أي مقابل مادي في العالم الخارجي كحوادث تاريخية أو أشخاص أو مؤسسات إلا من الواقع العريض الذي هو حامل للمعاني وميدان للفعل، فالإلحاد بهذا المعنى رغبة في بيان الأثر العملي للأفكار ورد فعل على الإيمان المتحجر المكتفي بذاته الذي يكفي المؤمنين شر القتال. (ب)

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٢٦