تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يعني «التراث والتجديد» أية نزعة توفيقية بين القديم والجديد لأن التوفيق بهذا المعنى عمل غير علمي يخضع لمزاج شخصي للباحث أو لاختيار مسبق للفيلسوف أو يقوم على هوى يقضي على موضوعية القديم والجديد على السواء، وهو الطرف الثالث الذي يتم التوفيق بناء عليه، فعندما وفق الفارابي بين أفلاطون وأرسطو خضع لمزاجه الشخصي واختياره الفلسفي المسبق وهو مزاجه الإشراقي وتصوره الهرمي للعالم، ولكن يعني «التراث والتجديد» إعادة بناء علوم الغايات بكل الوسائل التي يتيحها العصر، وهي وسائل بيئية خالصة ناتجة عن ثقافتنا المعاصرة، وحاجات العصر، فإذا كان التوفيق يتعامل مع شيئين هما موضوعا التوفيق، كان «التراث والتجديد» يتعامل مع شيء واحد وهو التراث القديم، وإن عرض هذا التراث على حاجات العصر لا يعني توفيقا بين الاثنين وأخذ جزء من هذا مرة وجزء من ذاك مرة أخرى، بل يعني أن مطالب العصر هي أساس التفسير فلا توجد علاقة تساوي بين طرفين، ولكن توجد علاقة أساس بمؤسس، أي أنها ليست علاقة أفقية يوضع فيها الطرفان على نفس المستوى بل هي علاقة رأسية توضع فيها حاجات العصر كأساس تحتي ثم التراث كمؤسس فوقي، وغالبا ما يكون التوفيق في صف طرف على حساب الطرف الآخر فقد كان توفيق الفارابي لحساب أفلاطون، وأصبح أرسطو أفلاطونيا، وكان توفيق إخوان الصفا بين الفلسفة العقلية والفلسفة الإشراقية لحساب الفلسفة الإشراقية، أما «التراث والتجديد» فإنه يأخذ التراث على أنه أصل لأنه هو الواقع النفسي للجماهير ثم يقاس التجديد عليه وهي التفسيرات المحتملة له أو أخذ التجديد على أنه أصل، وهي متطلبات الواقع ثم يقاس التراث عليه، وهو الأساس النظري لفهم الواقع، إن التوفيق القديم بمعنى أخذ حضارتين، كل منهما في يد، قضاء على مهمة «التراث والتجديد» الأساسية وهي اتحادهما معا من أجل تطوير الواقع أو وجودهما في طرف ثالث وهو الواقع المراد تغييره. كان الواقع في التوفيق القديم هو الواقع الفكري في حين أن الواقع في عملية «التراث والتجديد» الحالية هو الواقع الاجتماعي بمعناه العريض الذي يعبر عنه في مصلحة المسلمين. كان التوفيق القديم عملية حضارية من أجل تمثيل الحضارات الغازية في حين أن «التراث والتجديد» عملية اجتماعية من أجل تغيير الأوضاع القائمة. (7)

لا يدل «التراث والتجديد» على أي أثر خارجي من بيئة ثقافية أجنبية، وإلا وقع ضمن محاولات التجديد الحالية القائمة على العقلنة من الخارج،

14

ولكنه يعني إعادة بناء للتراث من داخله بما أتيح للباحث من وسائل عصرية، مناهج أو تصورات أو لغة، وهي مشاعة عند المثقف العادي لا تنتسب إلى بيئة ثقافية دون غيرها، ولقد اتهم فلاسفة المسلمين من قبل في كل محاولاتهم لتجديد الفكر الديني بالأثر الخارجي تحت خدعة الألفاظ المستعملة وتشابهها مع ألفاظ الثقافة العصرية.

ودعوى الأثر الخارجي لا تنطبق إلا على الفكر المنقول، وفي هذه الحالة لا يكون أثرا خارجيا بل يكون فكرا منقولا قلبا وقالبا، شكلا وموضوعا حتى ولو ظهر في ثوب الثقافة الوطنية من أجل حسن القبول، كزينة شرقية على واردات غربية، أما الأثر الخارجي فتهمة تلقى على كل فكر أصيل يطور القديم وينحو نحو العصر من أجل تفريغ القديم من كل محتوى تقدمي له ووضعه في إطار الموروث المتخلف عن العصر الذي لا يحتوي على أي عنصر من عناصر تطوره من داخله ومن أجل إثبات أن التطور لا يأتي إلا بفضل قوالب أو مناهج أو تصورات من ثقافة مغايرة هي الثقافة الغربية التي تحوي من داخلها على كل مقومات التطور والمعاصرة، فالأثر الخارجي كتهمة تشير إلى عقلية غربية ممركزة على الذات، تجعل نفسها الأصل وغيرها الفرع، وتنظر إلى ذاتها باعتبارها حاملة التقدم لغيرها المتخلف، وهي عقلية تصل إلى حد العنصرية الثقافية والقبلية الحضارية، والتي تقوم في أساسها على عنصرية وقبلية عرقية تظهر على مستوى الثقافة والتقاء الحضارات تسقط ذاتها على الآخرين، فلأنها كانت بفعل أثر خارجي - يوناني روماني عربي - فإنها تظن أن أية محاولة للتجديد لا بد وأن تكون خاضعة لنفس النمط ويكون هذه المرة، يونانيا رومانيا هنديا فارسيا في القديم أو غربيا في الحديث.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٢٥