تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

الصدق النظري والأثر العملي واحد في التراث لأنه واحد في أصول التراث، أعني الوحي، ومن ثم لا يصدق على «التراث والتجديد» أنه نزعة برجماتية كما لا يصدق عليه أنه نزعة مثالية. (4)

لا يعني «التراث والتجديد» إصلاحا نظريا للقديم، بل يعني تغيير الواقع تغيرا جذريا بالقضاء على أسباب التخلف من جذوره النفسية. مهمة التجديد إذن عملية لا نظرية، وهي المساهمة في البناء النظري للواقع، وذلك بالقضاء على الأفكار الثابتة فيه والأحكام المسبقة التي لا يمكن أن تكون أساسا نظريا لتغيير الواقع، التجديد جزء من البناء النظري للواقع وجانب من الإيضاح للسلوك، فالتراث ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحريك الجماهير وتغيير الواقع، وليس موضوعا في ذاته نفخر به وبمعاصرته، ولكن معاصرة الناس هي المطلوب تحقيقه، التراث لا يحتوي على أنساق نظرية خالصة يهمنا الاكتشاف عنها، بل يحتوي على إمكانيات عملية يكشف عنها المفكر بإعادة تفسيره طبقا لمصلحة الجماهير، وهذا لا يمنع من وجود حقائق نظرية واحدة هي قوانين التاريخ، ولكنها أيضا واقع تحول إلى مستوى النظر، وأصبح نمطا نظريا مثاليا أساسه تجربة واقعية، وقد احتوى مصدر التراث الأول - أعني الوحي - هذه المجموعة من الحقائق النظرية التي قامت في الأصل من مجموعة مماثلة من التجارب الحية في الواقع، ثم تحولت إلى حكمة شعبية تتناقلها الأجيال كجزء من ثقافتها الوطنية، لا يعني تجديد التراث محاولة إصلاح القديم وترميمه حتى لا يمكن الإبقاء عليه كموضوع مستقل يلبس ثوب العصر، بل يعني عرض الموروث القديم على احتياجات العصر ومطالبه، فهي التي تفسر القديم، ليس القديم هو موضوع البحث، بل واقعنا المعاصر، وليست الغاية هو البحث عن معان في القديم حديثة لا تعارض العقل أو العلم أو التقدم، بل المساهمة الفعلية في تطوير الواقع الذي نعيشه بما أن مشكلة التطوير هي مشكلة العصر، والدافع على التجديد ليس ترميم الماضي، بل تغيير الحاضر، ولا يقال إن ذلك مضيعة للجهد والوقت، فلماذا الترميم والإصلاح وإعادة التفسير دون استبدال بالقديم كله أساس نظري جديد، فهذا أوفر جهدا وأقصر وقتا؛ وذلك لأن الحضارات لا تستبدل ولا تنقل، وأن الثقافات لا تستعار، وأن تطور الشيء الطبيعي هو وجوده، ومن ثم فالوجود لا ينتزع ثم يزرع، ولكنه يتطور تطورا طبيعيا، هذا هو التغيير الأبقى وليس زرع الأعضاء التي لا تتطور، بل قد تلفظ باعتبارها جسما غريبا. (5)

لا يعني «التراث والتجديد» القيام بحركة إصلاح كما كان موجودا لدينا في القرن الماضي وأوائل هذا القرن، مجرد تغيير في معاني الأشياء مثل أن تكون الصلاة بهذا الشكل وليس بذلك النحو، أي مجرد تغيير نظري دون التنظيم الفعلي لهذا التغيير أو تغيير دون قيامه على تغيير نظري مواكب، «التراث والتجديد» يهدف إلى تكوين حركة جماهيرية شعبية وإلى حزب ثوري يكون هو المحقق للثقافة الوطنية الموجهة لسلوك الجماهير، كما يهدف إلى تغيير الأطر النظرية الموروثة طبقا لحاجات العصر ابتداء من «علم أصول الدين» الذي يعطي الجماهير الأسس النظرية العامة التي تحدد تصوراتنا للكون، وابتداء من إعادة بناء الأصول تتغير أشكال الفروع بطبيعتها، الانتقال مثلا من العقل إلى الطبيعة، ومن الروح إلى المادة، ومن الله إلى العالم، ومن النفس إلى البدن، ومن وحدة العقيدة إلى وحدة السلوك،

13

لقد كانت معظم الحركات الإصلاحية القديمة حركات سلفية تحافظ على القديم أكثر مما تبغي من تحليل الواقع، فقد كان الواقع جزءا من القديم لأننا جميعا مسلمون، كانت الحركات الإصلاحية القديمة دفاعا عن القديم ضد الجديد الممثل في النظريات الجذرية للتغير سواء في الفكر مثل التيارات العلمية والمادية أو في الواقع مثل النظم الاشتراكية، واتهامها بالإلحاد والشيوع. «التراث والتجديد» يود تطوير الفكر الإصلاحي القديم ودفعه خطوة أخرى نحو الإصلاح، والانتقال به من الإصلاح إلى النهضة، ومن إعادة التفسير إلى تأسيس العلم، ومن الإصلاح النسبي إلى التغيير الجذري. «التراث والتجديد» دفاع عن واقع الناس العريض، ومصلحة المسلمين، وليس دفاعا عن الماضي، بل دفاع عن المستقبل باسم الماضي، وتهيئة العيش للخلف باسم السلف، ومع ذلك، فالإشارات إلى الفكر الإصلاحي مستمرة لا من أجل الاعتماد عليها، وأخذ البراهين منها بل لتطويرها واعتبارها آخر ما وصل إليه المعاصرون من تجديد. إن «التراث والتجديد» هو الوريث لحركات الإصلاح الديني الحديثة التي بدأت منذ أكثر من قرن من الزمان، وهي العملية التي تصب فيها كل محاولات التغيير الجذري للقديم إما على مستوى الفكر أو مستوى الواقع، وهي التي تضم في باطنها كل محاولات الفهم الجزئية لجوانب مختارة من القديم، وهي التي تعود إلى الأساس، إلى نشأة العلوم الدينية العقلية ذاتها، وإعادة بنائها من المنبع وإذا كان التجديد في تراثنا القديم، على الأقل في علوم الحكمة وفي بعض حركاتنا الإصلاحية الحديثة، إذا كان التجديد قد تم باسم العقل أو باسم الشرع فإن التجديد الحالي يتم باسم الواقع ومن أجل التغيير، لم يكن الواقع غريبا على التراث القديم لأن أصول التراث نفسه - وهو الوحي - مبنية على الواقع، وتغيرت وتكيفت طبقا له، وأصول التشريع كلها تعقيل للواقع وتنظير له، ولكن الواقع القديم تخطته الشريعة، وجاوزه التشريع إلى واقع أكثر تقدما في حين أن واقعنا الحالي الذي يقام التجديد عليه لم يتخطه أي تشريع بعد، وتظل كل التشريعات أقل مما يحتاجه، ويظل هو متطلبا لأكثر مما تعطيه التشريعات، التجديد إذن تطوير للواقع أساسا، وهو ذاته تطوير للتشريع، وهو أيضا نظرية في العقل لأنه يحلل الواقع أساسا، وينتهي إلى مكونات بديهية له وأنظمة واضحة يجد فيها الواقع مطلبه، فالبداية هي الرؤية المباشرة للواقع التي تدرك بالوجدان ثم تصديق العقل لحدث الوجدان ثم تصديق الشرع على الاثنين معا. (6)

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٢٤