تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التحرر من الاحتلال، وكل صور الاستعمار المباشر بالاحتلال العسكري أو غير المباشر بالقواعد العسكرية والمعونات الاقتصادية وجيوش السلام والجماعات التبشيرية والمؤسسات والهيئات والمدارس والمعاهد الأجنبية، إذ يختلف باحث اليوم عن باحث الأمس، فبينما كان باحث الأمس مستقلا، فاتحا للأرض، ناشرا لواء الثقافة، مؤثرا في الحضارات المجاورة مكتشفا للعلوم وواضعا للنظريات، ومصدر حضارة للآخرين، فإن باحث اليوم محتل، ضاعت الأرض من تحت قدميه، مستعمر ثقافيا، يخضع لآثار الحضارة الغربية ناقل للعلم، طالب للعون، سائل المساعدة، متسول في الأسواق، هذا الاختلاف يفرض على باحث اليوم اختيارا لا مناص منه، وهو إيثار الأرض على كل ما عداها خاصة إذا كان الفكر الذي تمثله حضارته لا يبغي إلا استقلال الأرض وتحرير من عليها، حينئذ يصبح استقلال الأرض للباحث المعاصر هدفه وغايته، وتتحول الأرض في شعوره إلى ميتافيزيقا وشعر، ورواية وقصة، إلى حنان وشوق، بعد أن أصبحت بكاء ودموعا، مرارة وأسى، ذلا وعارا،

10

فإذا كان هناك لاهوت فهو «لاهوت الأرض»، وإذا كانت هناك فلسفة فهي فلسفة الأرض، وإذا كان هناك تصوف فهو تصوف الأرض، وإذا كان هناك شعر فهو شعر الأرض، أو رواية فهي رواية الأرض، أو فقه فهو فقه الأرض، وإذا أسسنا لاهوتا فهو «لاهوت التحرر» وإذا أقمنا فلسفة فهي فلسفة التحرر، وإذا أنشأنا تصوفا فهو تصوف الثورة، وإذا شرعنا فقها فهو فقه النضال، وإذا فسرنا دينا فهو دين التنمية، وقد كثر فيما حولنا لاهوت الأرض وشعر الأرض من أجل سلب أرضنا، فالصهيونية هي لا هوت الأرض، والاستعمار هو أيديولوجية الأرض، ونحن ما زلنا في نضالنا ضد الصهيونية والاستعمار، لا نقيم وزنا في فكرنا الوطني إلى لاهوت الأرض وشعر الأرض، ومن ثم كان فكرنا الوطني على المستوى النظري متخلفا عن أيديولوجيات التحرر الوطني المعاصرة. (2)

التنمية ضد التخلف، وهي مأساة العصر الثانية، والتخلف يشمل الجوع، وسوء التغذية، والفقر، والمرض، والأمية، والجهل، وعدم استغلال الثروات الطبيعية، وغياب التخطيط طويل المدى، وضعف المؤسسات، فالتخلف يشمل التخلف المادي والمعنوي على السواء، المعنوي مثل سيادة الأسطورة، والخرافة، والانفعال، وعبادة الشخص، والنفاق، والتملق، والزلفى، والخوف، والسلبية، والاستكانة، والقضاء، والقدر، فانتساب الباحث للتراث القديم، ووعيه بدوره كمفكر طليعي يجعله يرى أنه يعيش في مرحلة من تطور حضارته، يحكم عليها بالتخلف، وهو نفسه يعاني منه، ويفكر فيه كمشكلة، بالإضافة إلى موروثه القديم، ويجد نفسه في موقف إعادة بناء القديم أمام قضية التخلف وهي قضية العصر الثانية، يرى في القديم صورة العمران ومظاهر الازدهار والتقدم، ويرى في واقعه صور الفقر وجوانب التخلف والنكوص، حينئذ يجد الباحث نفسه مضطرا لإسقاط مفاهيم التخلف والتنمية على البناء الفكري في التراث القديم، ولا يستطيع الباحث إلا أن يفعل ذلك وإلا لكان طائرا في الهواء يحط بجناحيه على أية شجرة يصيبها، قضية التنمية تفرض نفسها على الباحث ولا يستطيع إلا أخذها في الاعتبار وهو بصدد صياغاته الفكرية وإقامة نظرياته لتطوير الواقع، وقد تخلف فكرنا الديني، ونحن في قلب البلاد النامية، عن الفكر الديني في بلاد نامية أخرى، أمريكا اللاتينية مثلا، ولم نربط بعد بين الدين والتنمية، بين الإيمان والتقدم، بين اللاهوت والتغيير الاجتماعي، وما زلنا نضع الدين في جانب الإيمان والتنمية في جانب الاقتصاد. (3)

التقدم ضد الركود الفكري، والنهضة ضد توقف الحضارة عن مسيرتها، وهي مأساة العصر الثالثة، إذ إننا نعيش في عصر من البلادة الفكرية لم يشهد التاريخ لنا بمثله، حتى في عصر الشروح والملخصات كان المؤلفون يحفظون التراث بالشرح والتلخيص والتجميع في الموسوعات، والتأريخ لتراثهم ولروحهم، فالقديم كما هو بثقله يكتم الأنفاس، والجديد كما هو بتغطيته للواقع أكداسا فوق أكداس، والتبريرات للأوضاع القائمة هو الفكر الشامل، ثم يشتكي المبررون من البلاد، ويتضجرون من الركود، مهمة «التراث والتجديد» القضاء على هذه الحالة من الركود الفكري الذي يسود عصرنا الحاضر، فكلنا نشكو من عدم وجود تيارات فكرية أو اتجاهات فلسفية، وأنه يغلب علينا النقل والتجميع والعرض من أجل التعريف بالتيارات القديمة أو المعاصرة أو من أجل دفع كتاب مقرر يدرس بالجامعات، الحركة الفكرية لدينا هذه الأيام إما اجترار للقديم وتكرار لما وصل إليه من صياغات فكرية وعلوم عقلية أو نقلية حتى طغى الموروث على واقعنا المعاصر، وأصبح فكرنا مشدودا للقديم وفي حركة واثبة إلى الوراء بالنسبة لواقع في تقدم وتغير مستمر، وأصبح من الصعب على الفكر في وقوفه اللحاق بالواقع في مساره، وإما نقل وترجمة عن التراث الغربي أو تعريف بمذاهبه حتى سرت فوق الواقع طبقات سميكة من المذاهب الأوروبية تغلفه ولا تطوره، تطمس معالمه ولا تظهره، فإذا كانت الحركة الثانية طغيانا للجديد على القديم فكلاهما طغيان على الواقع، «التراث والتجديد» هو السبيل إذن لقيام حركة فكرية أصيلة يمكنها الوقوف موقفا نقديا من القديم الموروث، ومن الجديد المنقول بناء على متطلبات الواقع، والقضاء على الركود والبلادة العقلية اللذين لم يتركا للشباب إلا أن ينحصر في الوظيفة أو المكسب، فإن ضاقت اليد فالهجرة، فإن تأزم الفكر فالدين والجنس، إثارة قضية «التراث والتجديد» هي الكفيلة بخلق جو ثقافي حضاري يساعد على ظهور فريق من الباحثين والمفكرين بدلا من هذا الجدب الثقافي الذي نعيش فيه، والتباكي على ثقافتنا المعاصرة بأنها قد خلت من كل فكر جاد، ولم يظهر فيها أي عمل فلسفي شق طريقا أو أرسى بداية، وبأننا ما زلنا ننتظر فيلسوف العصر كما ننتظر الأنبياء.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٢١