تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مهمة «التراث والتجديد» حل طلاسم الماضي مرة واحدة وإلى الأبد، وفك أسرار الموروث حتى لا تعود إلى الظهور أحيانا على السطح وكثيرا من القاع، مهمته هو القضاء على معوقات التحرر واستئصالها من جذورها، وما لم تتغير جذور التخلف النفسية كالخرافة والأسطورة والانفعال والتأليه وعبادة الأشخاص والسلبية والخنوع فإن الواقع لن يتغير، وما أسهل أن يتبدل الشبح بالآلة والعفريت بالمحرك فكلاهما يؤدي نفس الغرض، فاستعمال الساذج للآلة لن يقضي على إيمانه بالجن والأشباح إلا إذا أعيد بناؤه النفسي، ومن ثم القضاء على طلاسم الماضي وأسراره إلى الأبد. مهمة «التراث والتجديد» التحرر من السلطة بكل أنواعها، سلطة الماضي وسلطة الموروث، فلا سلطان إلا للعقل، ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه، وتحرير وجداننا المعاصر من الخوف والرهبة والطاعة للسلطة سواء كانت الموروث أو سلطة المنقول، سواء كانت سلطة التقاليد أم السلطة السياسية. مهمة «التراث والتجديد» هو تفجير طاقات الإنسان المختزنة المحاصرة بين القديم والجديد كحصار الإنسان في اللاهوت المسيحي بين آدم والمسيح، بين الخطيئة والفداء. (3) شبهات ومخاوف

كثيرا ما أثيرت بعض الشبهات حول «التراث والتجديد» وبعض المخاوف منه، ولكنها في الحقيقة لا أساس لها، وتظل الفائدة أكثر من الخسارة إن كانت هناك خسارة على الإطلاق، والشبهات في المقدمات والمخاوف من النتائج: (3-1) شبهات في المقدمات (1)

لا يعني هذا العلم الجديد أو إن شئنا هذا المنهج في تحليل الظواهر بإرجاعها إلى المخزون النفسي القديم التخلي عن أية نظرة علمية أساسية على أساس أن الواقع ذاته لا صلة له بمخزون نفسي أو بماضي موروث، وأن الواقع له مقوماته من ذاته في أبنيته الاجتماعية ووسائل إنتاجه، وطبيعة علاقاته؛ لأن الاتجاه النفسي للبشر جزء من تصورهم للواقع، بل جزء من الواقع ذاته، فالواقع أبنية وسلوك، مواقف واتجاهات، بل إن الاتجاه النفسي هو الواقع كله سواء من قبل الجماهير المكونة للواقع، أو من قبل المحلل الذي تتحدد رؤيته للواقع باتجاهه النفسي مهما قيل في الموضوعية والحياد، تتحقق الموضوعية كاملة لو كان الاتجاه النفسي للباحث مطابقا للواقع النفسي ولمقتضيات سلوك الجماهير، فالواقع الحي، واقع الناس، واقع الجماهير، قبل أن يكون هو الواقع المصمت، والواقع المصمت لا يتحول إلى واقع اجتماعي إلا من خلال سلوك الجماهير واتجاهاتها وموافقتها. الواقع الحي أبنية نفسية، وعلاقات اجتماعية، وتصورات للعالم، وهو الواقع الجديد الذي تعطيه تجارب البلاد النامية، وإضافة جديدة تعطيها الشعوب المتحررة حديثا، قد لا يكون هذا هو الواقع ماثلا الآن في الشعوب الأوروبية الغربية نظرا لسيادة الواقع الكمي الإحصائي، ولكن الواقع في البلاد النامية - طبقا لنظرة علمية متكاملة - هو الواقع البشري وهو الواقع الكيفي الذي ما زال هو المحرك للجماهير، والحامل لأفكارها والخالق لقيمها. (2)

ولا يعني هذا المنهج الوقوع في نظرة مثالية تود تغيير الواقع بتغيير الأفكار، وتفسير الظواهر الاجتماعية بتغيير أبنيتها الفوقية؛ وذلك لأن التراث القديم ما زال حيا في وجدان الجماهير وما زالت القيم الموروثة هي الموجهة لسلوكها، والحقيقة أن هذه المشاكل المنهجية مثل: أيهما هو العامل الموجه، البناء الفوقي؟ أيهما له الأولوية الأبنية الاجتماعية أم النظريات؟ هذه المقابلات كلها تنتج عن وضع صوري للمسائل، وهو الوضع الذي يفصل بين جانبي الظاهرة الواحدة، الصوري والمادي، نتيجة لفقدان التوازن في شعور الباحث، وتعوده على تفسير الظواهر بعامل واحد، وهو من آثار الاتصال بالحضارة الأوروبية التي فقدت شعورها المحايد ووعيها المتزن.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٢٢