الترقيع في عملية التغيير الاجتماعي، وترك الأساس كما هو خاضعا للأمر الواقع، وتغيير الجزء وترك الكل، وتحريك السطح وترك الأعماق، فالتغير الاجتماعي لم يتعد إعادة التوزيع على قاعدة أعرض كما هو الحال في الإصلاح الزراعي دون إعطاء الأرض لمن يفلحها، وإعطاء العامل حقه في حدود قيمة العمل اليدوي بالنسبة لقيمة العمل الإداري، وإعطاء الطالب استقلاله ورفع الوصاية عنه في حدود طاعته للإدارة الجامعية وأخذه موافقتها على نشاطاته الاتحادية ومطالبه الفئوية، بل وضرب الفئات بعضها ببعض، وخلق المنافسة بينها في الأجور حتى تجاب المطالب، وتحقيق التغيير الجزئي دون المساس بجوهر القضية وهي: لصالح من يخطط الاقتصاد القومي؟ (6)
لما كانت السلطة الوطنية من أنصار التوفيق بين القديم والجديد كان التغيير يحدث من السلطة وباسمها وكأنها عملية مفروضة بالرغم من تلبيتها لحاجات الجماهير، وكان قبول الناس لها طاعة للسلطة وليس تحقيقا لمطالبهم، حتى أصبحت السلطة هي القادرة على فعل كل شيء، وعانى الناس من المركزية وضاع من الجماهير مبادرتها واعتمادها على الحلول الذاتية، وأصبح الرئيس هو شيخ القبيلة، ورب الأسرة، والأب الروحي، وكبير العائلة الذي يلجأ إليه الناس عند الشدة لفض الخصومات، ولحل المشاكل، وهو يطابق المخزون النفسي عند الجماهير وتصوراتها الهرمية والمركزية للعالم.
أما أخطاء السلطة في التحليل السياسي، فهي أخطاء لا تغتفر؛ لأن بيدها مقاليد الأمور وباستطاعتها الاستعانة بما تريد من إرشاد ونصح وتوجيه لسلامة القرار، فإن لم تفعل وجب محاكمتها أمام الشعب، خاصة ولو أدت هذه الأخطاء إلى احتلال جزء من الأراضي الوطنية، وتبديد الثروة القومية. (2) قضية البلاد النامية
وقضية التراث والتجديد جزء من العمل الأيديولوجي للبلاد النامية، إذ إنه عمل على الواقع، ومحاولة للتعرف على مكوناته الفكرية والنفسية والعملية، هي قضية تصفية المعوقات الفكرية للتنمية، ووضع أسس فكرية جديدة لتطوير الواقع، فإذا كان ما تشكو منه البلاد النامية على المستوى الأيديولوجي هو عدم الوضوح النظري، والتذبذب بين أيديولوجيات الغرب والشرق معا فإن عملية «التراث والتجديد» هي الكفيلة بتحقيق هذا الوضوح النظري، وإعطاء أيديولوجية قومية للبلاد النامية تنبع من أرضها، وتمتد جذورها في تاريخها، وتجيب متطلبات واقعها، تكون الأيديولوجية حينئذ تعبيرا عن الثقافة الوطنية للشعوب، وتأكيدا لذاتيتها وإبقاء على هويتها.
9
قضية التراث والتجديد هي القضية الجوهرية للبلاد النامية، إذ إنها تتناول البحث عن الشروط الأولية للتنمية، وتلبي حاجة ملحة لها، وتكمل نقصا بدأت تشعر به البلاد النامية الآن، وهو عدم الاعتناء بتنمية العنصر البشري، فليست التنمية مجرد استثمار للموارد الوطنية أو الأجنبية، وزيادة في عدد المصانع المستوردة أو في تأسيس للقطاع العام، بل هي استثمار بشري يهدف إلى خلق عنصر جديد قادر على التنمية، ومؤهل للقيام بعمليات التطور، وإذا كان عديد من قادة البلاد النامية ومفكريها يشعرون الآن بأن التنمية وإن كانت قد تمت في الاقتصاد، إلا أنها لم تتم بعد في الإنسان فإن قضية «التراث والتجديد» هي الكفيلة بإعادة بناء الإنسان في البلاد النامية عن طريق اكتشافه لبعده التاريخي، وإعطائه أساسا نظريا للتغيير، وتفجير طاقاته المخزونة، وخلق ثقافته الوطنية، وتحريك الجماهير السلبية، وإنزالها بكل ثقلها إلى ميدان التطور والتنمية. «التراث والتجديد» محاولة لتحقيق متطلبات العصر للبلاد النامية من الناحية النظرية والعملية والتغلب على مآسيه وهزائمه، ودفع التنمية خطوة أخرى حتى تكون نهضة شاملة تمكنها من أخذ زمام الريادة في العالم، أيديولوجيا وفعليا، معنويا وماديا، وأهم هذه المتطلبات: (1)