تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل بين الأيديولوجية والأخلاق مما يجعل الجماهير التي ما زالت تربط بين الحق والخير نافرة من الانتساب إلى الجماعة الثورية والتوجه إليها بقلبها ، فالمقياس الخلقي عند الجماهير هو في الحقيقة مقدمة للانتماء الفكري والانضمام السياسي للجماعة الثورية، الجماهير ما زالت تؤمن بالقدوة الحسنة، وبالفعل الطيب وبطاعة أوامر الدين، واجتناب نواهيه، ومن ثم كان من السهل أن تخرج قياداتها الوطنية من أئمة المساجد وفتوات الحارات، فالقدوة الحسنة هي الرباط بين الجماهير وقيادتها، وهي في الغالب قدوة حسنة خلقية، فهي جماهير سنية أي تتبع سنن السابقين وتتأسى برسول، وتتبع سنته، ولا عذر لهذه الدعوة في ارتكاب أخطاء سياسية في تحليل الموقف لأنهم أهل دراية بالتحليل السياسي، وأي خطأ في المبادئ ذاتها أو في درجة الالتزام بها. (1-3) التغيير بواسطة القديم والجديد

يقع أنصار هذا الأسلوب في التغيير في أزمة مماثلة للفريقين السابقين وذلك راجع للأسباب الآتية: (1)

عدم وجود أساس نظري واضح يمكن قيام التغيير الاجتماعي طبقا له، ومهما كانت هناك من محاولات لإرساء مثل هذه الأسس فإنها انتهت إما إلى الميوعة الفكرية، أو إلى مجرد إعلان النوايا، أو إلى العواطف الطيبة النبيلة، أو إلى العبارات الحسنة أو إلى الخطابة الجوفاء، وكأن الأساس النظري لا يمكن التوفيق فيه، بل لا بد من تأسيسه ابتداء من إعادة تفسير القديم والتنظير المباشر للواقع، فالقديم يعطي الهدف، والتنظير يعطي الوسيلة، لا يعني التوفيق المصالحة بين المحافظة والتقدمية، أو الإبقاء على مصالح الأغلبية والأقلية معا، فهذه الميوعة هي السبب في الغموض النظري، وما أوضح أن تكون الأرض لمن يفلحها، والمصنع لمن يعمل فيه، والجامعة لمن يتعلم فيها. (2)

القيام بالتغير الاجتماعي لصالح طبقة معينة، هي الطبقة المتوسطة، وهي القادرة على تمثيلها لمصلحة الجماهير، بعد أن قادت نضالها الوطني سلما أم حربا، وهي الطبقة التي بيدها صنع القرارات السياسية، حتى شعرت الجماهير أمامها بأنها أمام نوع من الإقطاع الجديد أكثر انتشارا، وأوسع رفعة، وأفصح لسانا، وأبلغ خطابة، وأمكر أسلوبا من الإقطاع القديم، فانحسرت عن عملية التغير، بعد أن اكتسبت مناعة ضد قاموس المصطلحات السياسية من اتحادات، وهيئات، ومنابر، وتنظيمات، وتحالفات، وهي الألفاظ الرائجة التي لم تعد تشير إلى أي معنى أو تدل على أي مضمون، وأصبح الشعب نافرا من الشعارات الرنانة، وهو يعلم أنها لا تهدف إلا لملء فراغ أجهزة الإعلام. (3)

معاداة أصحاب التغيير الجذري، أنصار القديم أو أنصار الجديد معا، وضرب جميع القوى الوطنية التي أفرزها الواقع تلقائيا حتى تتم للدعوة الجديدة السيادة باعتبار أنها ممثلة للوسط دون التطرف ناحية اليمين أو اليسار، والاستئثار بالسلطة، ورفص أي مشاركة شعبية جادة، فتم إلغاء كل شيء لحساب لا شيء، ومن ثم استحال بناء شيء وسط هذا الدمار الشامل، وظلت السلطة تشكو من الفراغ السياسي، كما ظلت تبني في الهواء، وتخشى على البناء الذي لا يدعمه الشعب بتنظيماته ومؤسساته، وكان يكفي لزوابع السياسة أن تهب فتهدم البناء ولا تجد من يدافع عنه أو حتى من يبكي على الأطلال.

8 (4)

انتهاء الجماهير العريضة إلى السلبية التامة واللامبالاة المطلقة، تقرر لها السلطة الحرب والسلام، وتقوم بدلا عنها بالهزيمة والنصر، وتنظمها في هيئات واتحادات وتنظيمات ومنابر، وتستنكف من الأحزاب وهو النشاط التلقائي الطبيعي للقواعد الجماهيرية، وعكفت على أزماتها اليومية، تفرغ كل طاقاتها بها أو في مظاهر مفتعلة للنشاط كالنوادي الرياضية والليلية، أو في التصوف والجنس، أو في السفر والهجرة، أو في المعارك في المركبات العامة، أو في الموالد والأعياد، واستحال قيام ثورة بلا جماهير ثورية، وكانت البارقة الوحيدة الانتفاضات الطلابية والشعبية الأخيرة التي تعيد إلى الأذهان حيوية الجماهير وارتباطها بالقضايا المصيرية مهما طالت استكانتها، وعمت سلبيتها، ورضيت بواقع أمرها. (5)

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ١٩