الاستيلاء على السلطة إيمانا بأن السلطة هي السبيل لتغيير الواقع، وتكون النتيجة أيضا كما هو الحال عند أنصار القديم الاصطدام بالسلطة والانعزال عن الجماهير، وفرق بين العقلية الثورية والعقلية الانقلابية، الأولى هي التي تبدأ من الجماهير حتى تنحاز إلى الدعوة أو على الأقل في أغلبيتها، والثانية هي التي تبدأ من السلطة وتفرض الدعوة على الجماهير، وفي هذا لا تفترق الدعوة عن أي نظام تسلطي، وتكون ضحية لنظام تسلطي آخر عن طريق انقلاب مضاد، ولم يأت الوحي - من حيث هو دعوة - إجبارا للناس بل كان تلبية لنداء الواقع، وتعبيرا عن أشواق الجماهير المعذبة، المضطهدة والمستغلة، وتظل عقلية القفز على السلطة عقلية موروثة تحتاج إلى إعادة بناء فكري، وتغيير منهجي، وذلك بإعادة بناء التصور الهرمي للعالم والتصور الذي يجعل القمة دون القاعدة مصدر السلطة. (8)
العمل السري من أجل تحقيق الهدف كما هو الحال عند أنصار القديم وكأن التعبير عن مصلحة الجماهير بالأساليب العلنية غير شرعي، والحقيقة أن العمل السري هو العمل غير الشرعي من حيث بناء الدولة، ومنهج الفكر، والقاعدة الجماهيرية، إن قضايا التغيير الاجتماعي، والعمل السياسي المستنير ليس تلصصا ولا هو تجارة للمخدرات، بل هو مفتوح حتى ولو كان ضد السلطة القائمة، فالكلمة قد تكون أكثر مضاء من السيوف، ولكنها شرعية، وتعبر عن أسلوب جماهيري وبطولة شعبية تراها الناس في ثقافتها الدينية مثل «الدين النصيحة»، وأن الشهادة في قول كلمة حق في وجه حاكم ظالم، وهنا تخلق القيادات الشعبية التلقائية عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما يمارسه الشعب كل يوم في نطاق ضيق، نطاق الأخلاق. (9)
استعمال العنف ليس فقط ضد السلطة، ولكن ضد الدعوات المعارضة، ومن ثم الاصطدام بالجماهير التي هي مضمون العمل السياسي وركيزته، وهنا لا فرق بين أنصار التغيير بواسطة القديم أو الجديد؛ لذلك نشأ التطاحن بينهما، وفرق بين العنف والعنف الثوري، فالأول أقرب إلى الجرائم السياسية منها إلى الثورة الاجتماعية، أما الثاني فقد يحدث بعد استنفاد وسائل التغيير الاجتماعي وتحقيق مصلحة الأغلبية وتجنيد الجماهير أي حصول الأغلبية الثورية، ثم محاولة الأقلية السيطرة عليها وقهرها بالعنف، هنا يكون العنف الثوري رد فعل على العنف الذي تمارسه الأقلية، وشتان ما بين حال الجماهير الآن وسلبيتها أمام أية دعوة سياسية وبين تجنيدها لصالح الأغلبية الثورية.
7 (10)
تفتيت الوحدة الوطنية بتفضيل الصراع الطبقي على الوحدة، والوقوع في التفسير الحرفي للأيديولوجية المنقولة دون ما علم بتطوراتها وتأقلمها طبقا لواقع العالم الثالث الذي تكون فيه الأمة أو الجماعة أو الأسرة، هو الأساس الحضاري والنفسي للتغير الاجتماعي، ويكفي وعي الأغلبية بمصالحها وسيطرتها على وسائل الرقابة الشعبية وترشيد سبل الحياة، وإعادة تخطيط الاقتصاد والسياسة القومية على أساس عقلاني حتى تتحقق مصلحة الأغلبية، وفي مرحلة النضال الوطني تبرز وحدة الشعب، وفي مرحلة الثورة الاجتماعية قد تبرز أيضا وحدة الشعب، ولكن المهم هو كيفية التعامل معه، وتنشيط مخزونه النفسي، وتراثه القديم حتى يكون موجها للسلوك. (11)
إذا ما استحال الاستيلاء على السلطة، فإنه يمكن مصالحتها على أساس اتفاق يقوم على تنفيذ الحد الأدنى من مطالب الدعوة، ولكن ينتهي الأمر بأن تصبح الدعوة تابعة للسلطة ومبررة لأخطائها، وينتهي الأمر بابتلاع السلطة لها، واعتمادها عليها، وإضفاء الشرعية على قيادتها الوطنية وثورتها الاجتماعية بدليل تأييدها من الجماعات الثورية، وعمل هذه لحسابها، فإذا عصت هذه الجماعات غضبت السلطة عليها حتى تتم التوبة ويعلن عن الصفح والغفران، ويعود الوئام، والكل مخدوع، فلا السلطة تؤكد وجودها الشرعي من تبرير فئة لها، ولا الجماعة تنال من تحقيق أهدافها شيئا بتبعيتها للسلطة وتبريرها المنظم لقراراتها، وينتهي الأمر في النهاية إلى التعايشية. (12)