407
فالواقع أن الفلسفة النقدية رفضت أن تعزو إلى المنطق صفة التقنية، وإذا اعترفت بمنطق تطبيقي فإنها تعتبره كنوع مختلف عن المنطق النظري والقبلي،
408
وإذا كانت التفرقة بين المنطق الخالص والمنطق التطبيقي صحيحة، فإن قوى النفس مفاهيم أسطورية تقود إلى الضلال؛ أي مفاهيم الذهن والعقل،
409
وإذا كان المنطق الخالص قصيرا وجافا، فإنه يكون ولا شك تافها مثل المنطق المدرسي، بالرغم من تفوق الأول على الثاني بفضل عادة البحث التلقائي والدقيق التي حصل عليها في دائرته الضيقة.
410
في الفلسفة النقدية تتماثل وحدة التجربة مع وحدة القانون الموضوعي؛ ومن ثم تكون شروط إمكانية التجربة في القانون العقلي،
411
وهكذا تأرجحت التجربة بين الحساسية التجريبية والقانون الصوري.
وقد حددت المثالية النقدية ذاتها في مواجهة اتجاهين؛ الشك من ناحية والقطعية من ناحية أخرى، وهما نفس الاتجاهين اللذين تحدد الظاهريات نفسها في مواجهتهما؛
412
فقد وضع الاتجاه الظاهرياتي نفسه في مواجهة الاتجاه القطعي وفي تناقض رئيسي معه،
413
وبهذا المعنى تضع المثالية النقدية الخطين، النازل والصاعد، على نحو متجاور في وحدة اصطناعية ومصطنعة، وكان غياب منهج حدسي ومنتج سبب البناء الأسطوري للفلسفة النقدية.
414
نعم، كان المنهج المستعمل هو المنهج التراجعي الذي يبحث عن إمكانيات المعرفة في قوى النفس، ويأتي البناء الأسطوري من تجميع للكوجيتو من المحاولة الأولى ونتائجه في علم النفس وفي علم النفس الفيزيقي، كانت النفس أسطورة كبيرة عصية على الفهم.
415
والآن، إلى أي حد استطاعت المثالية النقدية الاستمرار في مشروع النهضة؟ كانت الفلسفة النقدية في طريق البحث عن معرفة شاملة وموضوعية في شكل علم قبلي وبرهاني تماما، ولم يتم حتى الآن تصور هذا العلم وتحديده لا في مادته ولا في فهمه؛
416
فإذا وضع العلم الموضوعي نفسه في الكوجيتو على مستوى الجوهر، فقد وضع في الفلسفة النقدية على مستوى العقل،
417
وهو يمثل الذات المفكرة، الفلسفة النقدية مرحلة جديدة بعد عقلانية الذاتية،
418
أخذت النفس كفكرة متميزة عن الشيء في الطبيعة.
419
وقد أخذت الفكرة في الفلسفة النقدية على أنها نموذج للقانون المثالي الشامل والموضوعي،
420
ومثلت نموذج العقل الخالص، فهي تقريبا قيمة، وبالفعل ليس العلم المعياري حكرا على المنطق، بل يمتد أيضا إلى الأخلاق، الأمر المطلق نموذج للمعيار، وهو أساس في الأخلاق كعلم معياري.
421
وفي الأخلاق التي خرجت من الفلسفة النقدية، هناك خلط بين التشابه والهوية؛ فالعلاقة بين إرادة الغاية وإرادة الوسائل علاقة هوية وليست علاقة تشابه، علاقة التشابه علاقة تحليلية. تميز بين مستوى المركب الحملي للاعتقاد ومستوى المركب الوجداني والإرادي،
422
والتشابه أقل توحيدية من الهوية، يحقق التشابه دون أن يحقق الوحدة الوجدانية.
كيف تتمثل الظاهريات المثالية النقدية؟ وفي الظاهريات الترنسندنتالية ذاتية الكوجيتو، والفلسفة النقدية غايتها القصوى.
423
وقد أخذ «التحليل الترنسندنتالي» بالمعنى الواسع لتحليلاته للزمان والمكان كصور قبلية لمادة الحدس الحسي، توسع الظاهريات هذا القبلي العياني للطبيعة الحدسية، ويضع التحليل الترنسندنتالي سؤال القبلي التكويني، وتضع الظاهريات لنفسها مسألة تجربة الآخر، ليس للتكوين فقط مصدر نفسي كما هو الحال في النقد،
424
وإذا كان للحساسية الترنسندنتالية في الفلسفة النقدية حدودها الضيقة، فهي موضوعة في الظاهريات كمشكلة أساسية لتكوين عالم التجربة الخالصة.
425
وقد أعيد تقديم الإدراك الداخلي والإدراك الخارجي في المثالية النقدية في الظاهريات كإدراك حال وإدراك مفارق من أجل تجنب النزعتين النفسانية من جانب، والحسية من جانب آخر،