ثانيا:
التجريبية هو المقابل للفلسفة النقدية، ويكونان معا ثنائية سعيدة؛
388
فقد انتهت المثالية الصورية أو الفلسفة النقدية إلى نوع من علم النفس العقلي في مستوى أعلى من علم النفس التجريبي،
389
فقد سار تحليل القوى النفسية كمصدر للمعرفة شوطا أبعد من علم النفس، وقدمت التجريبية إلى المثالية النقدية الحساسية كمضمون للمعرفة.
أثارت المثالية النقدية مشكلة؛ كيف يمكن إقامة حكم تركيبي قبلي؟ وحاولت توحيد المشروع الأولي للعلم العقلي ورد الفعل عليه في التجريبية،
390
وبفضله ظهر خطأ نظرية العلم كنظرية موضوعية.
391
وقد لعب غموض معنى الرياضة دورا كبيرا في الأحكام التركيبية القبلية وفي التمييز بين الأحكام التركيبية في الرياضيات وتلك التي في علوم الطبيعة.
392
تجاورت العقلانية والتجريبية، الأولى فوق الثانية دون وحدة حقيقية بينهما.
وهكذا أصبحت العقلانية نقدا للعقل، وهو ما يمثل انقلابا تاما للمسألة، بدلا من البداية بالجواهر المتناهية واللامتناهية بدئ بنقد العقل نفسه؛
393
فأصبح العالم التجريبي عالم ظواهر، أتت المثالية النقدية لتؤكد مظاهر الأشياء، ولكن من خلال صور قبلية، وشكلت خطوة نحو تكوين علم موضوعي في الذاتية ، فقد كانت الموضوعية التي تقوم على الشك موضوعية ساذجة، وبفضل الفلسفة النقدية ظهرت الذاتية الترنسندنتالية للمرة الثانية.
394
وتمثل الفلسفة النقدية كمشروع محاولة لإعادة صياغة العلم الشامل والموضوعي بعد اكتشاف الذاتية في بدايات العصور الحديثة،
395
أرادت تقوية المطلب العلمي بعد أن ضعف في الفلسفة.
396
يرتبط الأنا الخالص والوعي بالفلسفة النقدية، ويضع شعار «أن يحيا الإنسان الذاتي» علاقة الشعور بذاته.
397
وبفضل الفلسفة النقدية، وأيضا التجريبية، تم توضيح البواعث الغامضة للعلم.
398
ومع ذلك، للفلسفة النقدية حدودها؛ فقد سادتها عدة افتراضات مسبقة ضمنية؛ أولا اعتبر عالم المعطى الحي واضحا بذاته،
399
واعتبرت الظواهر الخارجية وكأنها هي التي تكون عالم المعطى الحي، ويتم إدراك موضوعيته بالتفكير، وليس عن طريق المقولات القبلية، ولا تستطيع الحساسية ولا الصور القبلية أن تكون عالم المعطى الحي؛ لذلك يمكن تأويل الفلسفة النقدية بسهولة كوضعية من نفس نوع التجريبية،
400
والواقع أن عالم المعطى الحي ليس مجموع مادة حسية، مملكة مجهولة للظواهر الذاتية، بل هو ميدان مستقل، له علم موضوعي.
401
وضعت الفلسفة الترنسندنتالية نفسها في مواجهة علم النفس في عصره، ولكن سادها الغموض فيما يتعلق بالتمييز بين الذاتية الترنسندنتالية والنفس.
402
فضلا عن ذلك، أوقفها علم النفس الحديث خاصة علم النفس التجريبي، بحيث فقدت الفلسفة الترنسندنتالية الطريق الذي شقته من قبل، وظلت معتمدة على التجريبية في نفس الوقت التي هي رد فعل عليها، وكان ذلك طبيعيا؛ لأنها لم تنقد النزعة الحسية نقدا جذريا.
403
ولم تتم الاستفادة إلى النهاية من التمييز بين علم النفس الخالص والظاهريات الترنسندنتالية، ولم يتم توضيح المشكلة الترنسندنتالية في النزعة النفسانية، ومع ذلك تم تأسيس نظرية مركب القوى الترنسندنتالية من زاوية قصدية دون الحصول على القصدي كعنصر رئيسي أو على منهج جذري للبحث.
404
وفي داخل الفلسفة الترنسندنتالية كانت هناك إمكانية للعثور على حقيقة ضمنية، بعد جديد ينتج عن التقابل بين الحياة السطحية والحياة العميقة.
405
ظلت الفلسفة الترنسندنتالية على مستوى الحياة السطحية، مستوى الحساسية وعلم النفس التجريبي، وهكذا سادت التجريبية المثالية النقدية التي أتت من أجل إيقاف انتشارها.
406
وفي العقلانية في الخط الصاعد، اكتشفت الفلسفة النقدية المشاكل الترنسندنتالية للمنطق الصوري، ولكنها ظلت منغلقة في سياج صورتها النسقية، ووضعت هذه المشاكل على مستوى عال للغاية بالنسبة للمنطق، وباختصار لم تعرف الفلسفة النقدية المشكلة الترنسندنتالية للمنطق كمشكلة سابقة على هذا المجموع من المشاكل؛