364
ودليل ثان هو الانسجام المسبق القائم بين مسار الطبيعة وتتابع الأفكار ،
365
وتضع التجريبية نفسها على مستوى علوم الوقائع،
366
حتى إذا ما وضعت نفسها على مستوى عالم المعطى الحي، فإنها تنسى الأساس الترنسندنتالي لهذا العالم،
367
وتدعي أنها تجعل «مادة الوقائع» أكثر فهما كتكوينات نفسية،
368
وتحل علاقات الأفكار محل العلاقات والقوانين المثالية، تقدم التجريبية أيضا موضوعية تجريبية استقرائية دون أي اعتبار للجانب النظري الضروري لعلم المعرفة،
369
ويمثل «المقال» ذروة علم النفس الحسي، ميزته أنه بحث له اهتمام نظري خالص في حين أن للبحوث الأخرى اهتمامات سياسية دينية،
370
وأخيرا تظهر النفسانية الأكثر جذرية كنزعة طبيعية حالة، وتقوم برد أسمى لكل فرد، وتبقى كانطباع حسي خالص.
371
وينكر المنهج التجريبي الاستقرائي كل أساس نظري ضروري كعلم للمعرفة.
وترتبط النزعة التجريبية أحيانا بالمثالية الترنسندنتالية كفهم بديهي لبواعث العصور الحديثة؛
372
إذ لم تعد المشكلة هي معرفة إمكانية المعرفة الترنسندنتالية، بل كيفية توضيح الأحكام المسبقة، واقتضاء المعرفة توجها ترنسندنتاليا، وبتعبير آخر المشكلة هي النزعة التجريبية؛
373
لذلك تتمايز المثالية النفسانية عن المثالية الترنسندنتالية.
374
الظاهريات إذن هي الإلهام الضمني لكل الفلسفة الحديثة، وإذا شق الكوجيتو في العصور الحديثة الطريق فإن النزعة النفسانية كانت على وشك العبور، ولكن عميت عيناها.
375
احتوى «المقال» لأول مرة أول مشروع نسقي لظاهريات منغلقة للمعرفة، وليست لظاهريات نظرية، وانقلبت الظاهريات الترنسندنتالية في «المقال» إلى نزعة حسية،
376
واستبعدت المسألة الترنسندنتالية، واعتبرت النفس الخالصة كومة من المواد المتزامنة أو المتتابعة تحكمها قوانين سيكوفيزيقية،
377
ثم يأتي علم النفس الظاهرياتي كعلم نفس خالص في مواجهة علم النفس التجريبي،
378
ثم يصبح فيما بعد ظاهريات ترنسندنتالية.
379
ومع ذلك يعلو صوت بعض المفكرين المحدثين كأنماط للتعبير بأن «الاعتقادات الحقيقية للبشر إنما تظهر في الأفعال أكثر مما تظهر في الأقوال»، وهو تعبير مستعار للتعبير عن التناقض بين نظريات التجريبيين وتفسيراتهم للوقائع،
380
ومع ذلك تظل الفلسفة الطبيعية الأكثر تمثيلا للخط النازل.
381
كانت النزعة التجريبية الأصل الجذري في نشأة الفلسفة النقدية،
382
فإذا كانت الأولى فلسفة سلبية، الشك، فإن الثانية فلسفة ترنسندنتالية أصلية باعتبارها علما محكما.
383
ألم يوقظ هذا الشك التجريبي مؤسس الفلسفة النقدية من سباته؟
384 (أ-ج ) وحدة الخطين المتجاورين: المثالية النقدية
385
بدأت المثالية الألمانية بالمثالية النقدية، وهي ليست فقط استعادة للخط الصاعد للعقلانية ضد الخط النازل للتجريبية أو عقلانية جديدة ضد شكل جديد للتجريبية، بل كانت معارضة للقطعية (الدوجماطيقية) والشك في آن واحد، كانت القطعية نتيجة للعقلانية بعد ديكارت،
386
وكانت النفسانية أيضا نتيجة لثنائية النفس والبدن، لم تتجاوز الفلسفة الترنسندنتالية معرفة عملية ونظرية في فن الحياة، وكان المنطق نظرية معيارية ونظرية في فن الحياة في آن واحد، وظل مشروع «الرياضيات الشاملة» و«الأنطولوجيا العامة» بعيد المنال، تمثل المثالية النقدية إذن أبعد مسافة بين الخطين المتباعدين؛ العقلانية وهي الخط الصاعد، والتجريبية وهي الخط النازل. فكيف أصبحت المثالية النقدية وحدة تجاورية بين الخطين؟
أولا:
هناك في العقلانية باعث ترنسندنتالي، هذا ما استطاعت الفلسفة النقدية اكتشافه،
387
وبعد أن أوقظ مؤسس الفلسفة النقدية من سباته، قام بجولة كبيرة في تاريخ الفكر خاصة المثالية الترنسندنتالية، وبالتالي قدمت العقلانية القبلي، وهي مقولة فارغة في الأنا أفكر.